الأمم المتحدة

CCPR/C/118/D/2128/2012

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

Distr.: General

29 December 2016

Arabic

Original: French

اللجنة المعنية بحقوق الإنسان

آراء اعتمدتها اللجنة بموجب الفقرة 4 من المادة 5 من البروتوكول الاختياري، بشأن البلاغ رقم 2128/2012 * **

بلاغ مقدم من: قويدر كروش

الشخص المدعى أنه ضحية: صاحب البلاغ

الدولة الطرف: الجزائر

تاريخ تقديم البلاغ: ١١ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١١ (تاريخ تقديم الرسالة الأولى)

الوثائق المرجعية: القرار المتخذ بموجب المادة 97 من النظام الداخلي للجنة، والمحال إلى الدولة الطرف في 4 كانون الثاني/ يناير 2012 (لم يصدر في شكل وثيقة)

تاريخ اعتماد الآراء: ٣ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٦

الموضوع: الإدانة الجنائية بسبب الإبلاغ عن أفعال الفساد

المسائل الإجرائية: ‬ عدم دعم الادعاءات بأدلة

المسائل الموضوعية: المعاملة اللاإنسانية أو المهينة؛ وظروف الاحتجاز؛ والحق في محاكمة عادلة؛ وحظر المساس بالشرف والسمعة بشكل غير قانوني؛ والحق في حرية التعبير ‬

مواد العهد: الفقرة 3 من المادة 2، والمواد 7 و10 و17 و14 و19 ‬

مواد البروتوكول الاختياري: المادة ٢

١- صاحب البلاغ هو قويدر كروش، الذي وُلد في 7 كانون الثاني/يناير 1956 في معسكر (الجزائر)، ويعيش حالياً في فرنسا. ويدعي أنه وقع ضحية انتهاك الدولة الطرف للفقرة 3 من المادة 2، والمادة 7، والفقرة 1 من المادة 10، والفقرات 1 و3(ب) و(ج) و(د) من المادة 14، والفقرة 1 من المادة 17، والمادة 19 من العهد. ولا يمثله محامٍ. ودخل العهد والبروتوكول الاختياري الملحق به حيز النفاذ بالنسبة إلى الدولة الطرف في 12 كانون الأول/ديسمبر 1989.

الوقائع كما عرضها صاحب البلاغ

2-1 كان صاحب البلاغ، في عام 2004، يعمل محاسباً في المؤسسة العمومية للأشغال وهندسة الطرق (مؤسسة ETGR )، التي يتمثل نشاطها الرئيسي في تعبيد الطرق. ويمثل هذه المؤسسة، التي يقع مقرها في معسكر، مديرها العام.

2-2 وفي 20 كانون الثاني/يناير 2005، نشأ نزاع بين صاحب البلاغ ومدير المؤسسة بشأن إقرارها الضريبي عن شهر كانون الأول/ديسمبر 2004. وضغط المدير على صاحب البلاغ لإجباره على الإفصاح عن قيمة صفرية في رقم الأعمال الخاضع لضريبة القيمة المضافة، في حين أن رقم الأعمال الحقيقي الذي كان يلزم الإفصاح عنه بلغ 15 مليار سنتيم، محسوباً على أساس المتحصلات الفعلية. ورأى صاحب البلاغ أن الأوامر الشفوية الصادرة عن مديره تخالف واجبه المهني، إذ طلب منه تقديم إقرار ضريبي كاذب، فرفض توقيع الإقرار. وعقب هذا الرفض، مارس المدير ضغطاً قوياً على موظف آخر في المؤسسة، وتمكّن في نهاية المطاف من حمله على توقيع الإقرار الذي يفيد بقيمة صفرية في رقم الأعمال الخاضع لضريبة القيمة المضافة.

2-3 وفي 26 كانون الثاني/يناير 2005، تلقى صاحب البلاغ، عقب رفضه الامتثال لأوامر المدير، كتاب إقالة يفيد بإنهاء خدمته في المؤسسة اعتباراً من 31 كانون الثاني/يناير 2005 بدعوى انتهاء عقده، على الرغم من أن صاحب البلاغ كان موظفاً دائماً لا تعاقدياً.

2-4 وفي 2 شباط/فبراير 2005، اشتكى صاحب البلاغ لدى النيابة العامة في معسكر من الأفعال الإجرامية التي ارتكبها مدير مؤسسة ETGR ، ومنها: الاحتيال الضريبي والاختلاس وتبديد الأموال العمومية، وإبرام صفقات غير قانونية، وقبول شيكات بلا رصيد يصل مبلغها الإجمالي إلى مليار ومائة مليون سنتيم، والتزوير واستخدام وثائق مزورة، وإتلاف وثائق تجارية.

2-5 وفي 25 آذار/مارس 2005، فتحت الفرقة الاقتصادية والمالية التابعة لشرطة معسكر، بناءً على تعليمات من النيابة العامة، تحقيقاً أولياً في ادعاءات صاحب البلاغ. وفي 30 آذار/مارس 2005، استدعت الشرطة القضائية في معسكر صاحب البلاغ. وعند وصوله، استُجوب لمدة ساعة وأجاب على أسئلة المحققين، وسلَّمهم جميع الأدلة التي كانت في حوزته، مشفوعة بقائمة شهود، ثم وقع على محضر أقواله.

2-6 وبعد أن قدم صاحب البلاغ شكواه، استفاد مدير مؤسسة ETGR من تدخل رئيس مواردها البشرية، الذي تربطه علاقة قرابة بوزير الداخلية والجماعات المحلية. وعقب هذا التدخل لدى ولاية معسكر، والضغط على الشرطة القضائية والنيابة العامة، حل أفراد الشرطة بمقر المؤسسة وصادروا جميع السجلات المحاسبية ذات الصلة، بنية إزالة أي أثر لها. ثم أعلن ضابط التحقيق لاحقاً أنه لم يجد دليلاً على الاتهامات المقدمة. ومع ذلك، يؤكد صاحب البلاغ أن الشرطة استجوبته مرة ثانية، وأنه سلم المحققين جميع أرقام السجلات المحاسبية المشمولة بالقضية، والمسجلة في النظام الإلكتروني لضبط الحسابات.

2-7 وفي 20 نيسان/أبريل 2005، وجه صاحب البلاغ رسالة إلى مفتش الشرطة الإقليمي، ونسخة منها إلى النائب العام وإلى قائد الاستخبارات والأمن في معسكر، يطعن فيها في سير التحقيق الأولي. ولم يتلق أي رد على تلك الرسالة. غير أن مفتش الشرطة الإقليمية تدخل لدى المفوضية الرئيسية للشرطة في معسكر من أجل إجراء تحقيق نزيه، ولكن ذلك لم يُجد نفعاً.

2-8 وعندما أدرك صاحب البلاغ أن النائب العام في معسكر سيُغلق التحقيق الأولي وسيوقف النظر في شكواه، وعلم كذلك أن مدير مؤسسة ETGR يعتزم ملاحقته بتهمة الإدلاء بوشاية كاذبة ضده بموجب المادة 300 من قانون العقوبات، توجه صاحب البلاغ إلى مكتب النائب العام في 18 حزيران/يونيه 2005 ليستعلم عن الإجراءات المتخذة لمتابعة التحقيق ويوضح أنه وقع ضحية مكيدة ومخالفات خطيرة للإجراءات الجنائية. ولم يخصص النائب العام لصاحب البلاغ سوى خمس دقائق، ولم يوجه إليه أي سؤال يتناول ادعاءاته بشأن عدم كفاية التحقيقات وتدخل الأمين العام للولاية. ولم يستجب أيضاً لطلب صاحب البلاغ أن يصدر النائب العام تعليماته إلى الدرك لإجراء تحقيق سريع في قضية مؤسسة ETGR . وبعد يومين، توجه صاحب البلاغ مرة أخرى إلى النائب العام الذي رفض منحه أي معلومات وهدده بملاحقته وإمكانية سجنه إن عاد إليه مرة أخرى. وخلص صاحب البلاغ إلى أن التحقيق لم يكن محايداً.

2-9 وفي 20 حزيران/يونيه 2005، وجه صاحب البلاغ التماساً إلى الرئيس بوتفليقة، يصف فيه المخالفات الإجرائية المتعددة التي شابت التحقيق الأولي وتجاوزات السلطة القضائية في معسكر. وأحيل الالتماس إلى النائب العام في معسكر الذي أعرب عن سخطه إزاء الانتقادات التي وجهها صاحب البلاغ إلى وكيل الجمهورية في معسكر. ونتيجة لذلك، اتخذ النائب العام إجراءات متابعة قضائية بحق صاحب البلاغ بتهمة إهانة قاض أثناء تأدية وظائفه، بموجب المادة 144 من قانون العقوبات. ويؤكد صاحب البلاغ أن التماسه لم يتضمن أي عبارة مهينة وأنه يجسد حقه في حرية التعبير ومكافحة الفساد.

2-10 وفي 19 أيلول/سبتمبر 2005، حكمت محكمة بوحنيفية ، في حكمها رقم 43، على صاحب البلاغ بالسجن لمدة ثمانية عشر شهراً، وبغرامة قدرها 000 50 دينار، ودفع تعويضات قدرها 000 100 دينار للمدعي بالحق المدني. واستأنف صاحب البلاغ هذا الحكم.

2-11 وفي 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2005، تلقى صاحب البلاغ إخطاراً من مفوضية الشرطة في معسكر يعلمه بقرار وكيل الجمهورية في معسكر بوقف التحقيق الأولي لعدم وجود أدلة في القضية المتعلقة بتهمتي الاختلاس والفساد المنسوبتين إلى مدير مؤسسة ETGR . وخشية الانتقام، قرر صاحب البلاغ ألا يطعن في هذا القرار، ذلك أنه سبق أن أدين جنائياً بسبب اعتراضه على المسألة نفسها لدى رئيس الجمهورية.

2-12 وفي 25 كانون الثاني/يناير 2006، أيدت محكمة الاستئناف في معسكر، بموجب قرارها رقم 289، الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية في بوحنيفية في 19 أيلول/سبتمبر 2005 في قضية إهانة قاض. وفي 29 كانون الثاني/يناير 2006، طعن صاحب البلاغ في هذا القرار بالنقض لدى غرفة الجنح والمخالفات بالمحكمة العليا في الجزائر العاصمة.

2-13 وفي 7 تموز/يوليه 2008، تلقى صاحب البلاغ إنذاراً من المحكمة العليا بإيداع مذكرة في غضون ثلاثين يوماً بشأن طعنه بالنقض المقدم في 29 كانون الثاني/يناير 2006 ضد الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف في معسكر في 25 كانون الثاني/يناير 2006 (انظر الفقرة 2-12). وبيّن الإنذار أن هذه المذكرة يجب أن تحمل توقيع محام معتمد لدى المحكمة العليا، طبقاً للمادة 505 من قانون الإجراءات الجزائية. ولما لم يكن بوسع صاحب البلاغ تحمل نفقات محام، فقد وجه في 2 آب/أغسطس 2008 إلى النائب العام في المحكمة العليا طلباً يلتمس فيه المساعدة القضائية. وفي 13 آب/أغسطس 2008، طلبت النيابة العامة في المحكمة العليا من صاحب البلاغ، أن يقدم في غضون شهر، وفي سياق التماسه المتعلق بالمعونة القضائية، شهادة احتياج صادرة عن البلدية. وفي 2 أيلول/سبتمبر 2008، التمس صاحب البلاغ تلك الشهادة من رئيس بلدية بوحنيفية مرفقاً طلبه بكشف راتبه لشهر آب/أغسطس 2008. وبعد أسبوع، رفض رئيس البلدية شفوياً طلب صاحب البلاغ بحجة أنه موظف. وفي 8 أيلول/سبتمبر 2008، طلب صاحب البلاغ من النيابة العامة في المحكمة العليا مهلة إضافية لتوجيه طعن إلى ولاية معسكر للحصول على شهادة الاحتياج. وفي 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2008، رفض مكتب المساعدة القضائية التابع للمحكمة العليا طلب صاحب البلاغ المتعلق بالحصول على المساعدة القضائية، بحجة عدم تقديم شهادة الاحتياج. وفي 17 كانون الأول/ديسمبر 2008، أخطرته غرفة الجنح والمخالفات في المحكمة العليا بهذا الرفض، وأمرته بأن يقدم في غضون خمسة عشر يوماً مذكرة تحمل توقيع محام معتمد. واتصل صاحب البلاغ بعدة محامين طالباً منهم تيسير دفع الأتعاب، واضطر إلى بيع بعض أغراضه المنزلية لدفع جزء من أتعاب محام استعان به، على الرغم من أن هذا المحامي لم يكن مؤهلاً بما فيه الكفاية للدفاع عنه على الوجه المناسب.

2-14 وفي 27 أيار/مايو 2009، رفضت غرفة الجنح والمخالفات في المحكمة العليا، في قرارها رقم 12792، طعن صاحب البلاغ في القرار رقم 289 الصادر عن محكمة الاستئناف في معسكر في 25 كانون الثاني/يناير 2006 (انظر الفقرة 2-12). ويفيد صاحب البلاغ بأن مدير مؤسسة ETGR عيَّن مرة أخرى، في تموز/يوليه 2009، شخصاً تربطه علاقة قرابة بوزير الداخلية، كي يستفيد من تدخل السلطة التنفيذية لدى السلطات القضائية لحمايته.

2-15 وفي 10 حزيران/يونيه 2006، بعد انقضاء سنة على وقف النظر في الشكوى التي قدمها صاحب البلاغ، رفع مدير مؤسسة ETGR شكوى على صاحب البلاغ بتهمة الإدلاء بوشاية كاذبة لدى النيابة العامة في بوحنيفية ، بموجب المادة 300 من قانون العقوبات. وفي 24 نيسان/أبريل 2007، حكمت محكمة بوحنيفية ، في حكمها رقم 596، على صاحب البلاغ بالسجن لمدة سنة مع وقف التنفيذ، وبغرامة قدرها 000 20 دينار، وبدفع تعويضات في الدعوى المدنية قدرها 000 50 دينار لمدير مؤسسة ETGR . وطعن صاحب البلاغ في هذا القرار أمام محكمة الاستئناف في معسكر.

2-16 وفي 26 آذار/مارس 2008، أيدت محكمة الاستئناف في معسكر في حكمها رقم 1928 الحكم رقم 596 الصادر عن محكمة بوحنيفية في 24 نيسان/أبريل 2007، لكنها ألغت عقوبة السجن لمدة سنة مع وقف التنفيذ. وفي 1 نيسان/أبريل 2008، طعن صاحب البلاغ في هذا القرار لدى غرفة الجنح والمخالفات بالمحكمة العليا في الجزائر العاصمة. ولكن هذا الطعن لا يزال معلقاً لدى المحكمة العليا على الرغم من مرور اثنين وأربعين شهراً على تقديمه.

2-17 وخلال شهر آذار/مارس 2009، أبلغت جمعية موظفي مؤسسة ETGR في رسالة غير موقَّعة النيابة العامة في معسكر بحالات اختلاس وفساد جديدة يُدّعى أن مدير المؤسسة قد ارتكبها. وأمر وكيل الجمهورية الجديد في معسكر الشرطة بفتح تحقيق أولي. وفي 3 أيار/ مايو 2009، أعلم صاحب البلاغ وكيل الجمهورية بالشكوى التي كان قد قدمها في عام 2005 وأوقف النظر فيها. فسحب الوكيل التحقيق من شرطة معسكر، وأمر مصلحة الدرك في معسكر بمباشرة تحقيق ثان، ثم قرر إعادة فتح التحقيق في الشكوى التي كان صاحب البلاغ قد قدمها في عام 2005.

2-18 وفي أيلول/سبتمبر 2009، قدمت مصلحة الدرك في معسكر تقريرها عن التحقيق الأولي إلى النيابة العامة في معسكر، مؤكدة فيه الوقائع التي أبلغت عنها جمعية موظفي مؤسسة ETGR . وأحال النائب العام في معسكر ملف القضية إلى قاضي التحقيق. وفي الشهر نفسه، قرر وكيل الجمهورية إعادة فتح التحقيق المتعلق بالشكوى التي قدمها صاحب البلاغ في عام 2005. وبعد ذلك بشهر، استدعت مفوضية الشرطة في بوحنيفية صاحب البلاغ. ويضيف صاحب البلاغ أن السلطة التنفيذية تدخلت مرة أخرى، في تشرين الأول/أكتوبر 2009، لدى السلطات القضائية في معسكر لحماية مصالح مدير مؤسسة ETGR . ونتيجة لهذا التدخل، ألغت السلطات القضائية في معسكر قرار إعادة فتح التحقيق في شكوى صاحب البلاغ، وفصلت القضية الجديدة إلى قضيتين على مستوى التحقيق، تفادياً لتوصيف الجريمة.

2-19 وفي 4 آذار/مارس 2010، استدعت مفوضية الشرطة في بوحنيفية صاحب البلاغ. واعتُقل فور وصوله. وأبلغه أفراد الشرطة بأن اعتقاله مرتبط بتنفيذ قرار محكمة الاستئناف رقم 289 المؤرخ 25 كانون الثاني/يناير 2006، الذي حكمت فيه عليه بالسجن لمدة ثمانية عشر شهراً بتهمة إهانة قاض. وأودع في اليوم نفسه سجنَ معسكر. وخضع لفحص طبي وجيز خلص إلى أنه في صحة جيدة.

2-20 ويدعي صاحب البلاغ أن ظروف احتجازه في سجن معسكر لا تتماشى مع متطلبات العهد. ويؤكد أن السجن كان مكتظاً وكان يؤوي آنذاك ما لا يقل عن 600 سجين، أي أكثر كثيراً من طاقته الاستيعابية البالغة 100 سجين. وكان صاحب البلاغ محتجزاً في الجناح 3، الذي يتألف من مهجع وفناء. وكان عرض المهجع يبلغ 7 أمتار وطوله 10 أمتار وعلوه 6 أمتار. وكان المهجع مصمماً أصلا ً لإيواء 20 سجيناً، ولكنه كان يضم 176 سجيناً تتراوح أعمارهم بين 18 سنة و80 سنة، دون تمييز بينهم. وكان المهجع مجهزاً ب ‍ 60 سريراً حديدياً بعضها فوق بعض، وعليها أفرشة إسفنجية دون ملاءات ولا وسادات. ونظراً لنقص الأسِرّة، كان السجناء يضطرون إلى النوم مثنى مثنى في السرير الواحد، بينما كان البقية يستسلمون للنوم أرضاً بعضهم لصق بعض. ولم يكن في المهجع سوى مرحاضين ومغسل في زاوية، الأمر الذي كان يتسبب في طوابير طويلة وتدافع للوصول إلى المرحاضين اللذين لم يكونا مزودين بخزانة الكسح، فكان المكان نتناً يعج بالجرذان ويستحيل من ثم على السجناء النوم. وكان المهجع يضم ثماني نوافذ صغيرة عالية، تحُول قضبانها وشبابيكها المعدنية دون دخول الضوء. وكانت فيه صمامتان للتهوية مثبتتان على الجدار إحداهما معطلة. أما المروحة المثبتة في السقف فلم تعمل قط. ولما كان معظم السجناء يدخنون، فقد كان من الصعب التنفس بسبب الدخان والحرارة، مما أثر تأثيراً خطيراً في صحة غالبية السجناء. وعانى صاحب البلاغ مشاكل في عينيه، ولم تكن الإضاءة كافيةً للقراءة والكتابة. ولم يكن بإمكان أي سجين متابعة حصص دراسية أو مواصلة الدراسة. وعلاوة على ذلك، كان يُحظر على السجناء إرسال رسائل مختومة إلى الخارج، باستثناء الرسائل الموجهة إلى النائب العام في معسكر.

2-21 ولم يكن بوسع السجناء الاتصال هاتفياً بأسرهم. وكانت تصاريح الخروج تُمنح على نحو تمييزي، إذ لم يكن يُسمح بالخروج إلا للسجناء المسؤولين عن حفظ النظام. وكان السجناء يمكثون سبع ساعات يومياً في فناء مساحته 70 متراً مربعاً بمحاذاة المهجع. ولم يكن بإمكانهم ممارسة الرياضة ولا حتى المشي، نظراً لضيق الفناء، وكانوا يضطرون إلى الوقوف سبع ساعات يومياً صيفاً وشتاءً، ليس لهم ما يستظلون تحته. وكانت وجبتا الإفطار والغداء جيدتين، أما وجبة العشاء فلم تكن تستساغ، وكان جميع السجناء يرفضون تناولها. وكان يُسمح للسجناء بالاستحمام مرة واحدة فقط في الأسبوع. ولم يكن هناك ما يكفل سلامتهم، فكانوا يشتبكون في كثير من الأحيان دون أن يكترث لهم الحراس. وكانت أغراضهم الشخصية عرضة للسرقة. وكان الحراس يأتون إلى الفناء في الساعة الثامنة صباحاً ثم في الرابعة والنصف بعد الظهر لفترة وجيزة فقط.

2-22 وفي 30 آذار/مارس 2010، نُقل صاحب البلاغ إلى سجن غريس (على بعد 20 كلم من معسكر)، حيث احتُجز حتى إطلاق سراحه. ويصف صاحب البلاغ أيضاً ظروف الاحتجاز المزرية السائدة في هذا السجن: إذ كان محتجزاً في الزنزانة رقم 1 التي تبلغ مساحتها 30 متراً مربعاً، وتضم 43 سجيناً، وكانت مجهزة ب ‍ 20 سريراً معدنياً بعضها فوق بعض بلا أفرشة. وكان ثلاثة وعشرون محتجزاً يضطرون إلى النوم أرضاً. وكانت التهوية في الزنزانة جيدة، لكن التدفئة كانت منعدمة شتاءً. وكان يُسمح للسجناء بالحصول على تدريب أو بالدراسة، ولكن لم يمكن بإمكانهم إرسال رسائل مختومة. وكان الطعام رديئاً جداً وغير كاف، يُعده المحتجزون. وبغية التخفيف من وطأة الجوع، كان معظم السجناء يلجؤون إلى شرب مستحضرات مسحوق عصير الفاكهة وأكل الخبز. وبسبب حموضة تلك المستحضرات ونقص التغذية، عانى كثير منهم مشاكل في الجهاز الهضمي ولم يتلقوا أي علاج. وسرعان ما تدهورت صحة صاحب البلاغ حتى أصبح عاجزاً تماماً عن المشي بسبب الصداع والدوار. وفي 2 أيار/مايو 2010، طلب إيداعه المستشفى وخضع لفحص طبي أظهر أنه يعاني من ارتفاع ضغط الدم على نحو يدعو إلى القلق. وتلقى علاجاً واستفاد من نظام غذائي أفضل أدى إلى تحسن حالته الصحية.

2-23 وفي نيسان/أبريل 2010، تعرض جيلالي حجاج، رئيس فرع منظمة الشفافية الدولية في الجزائر، لأعمال انتقامية على يد السلطات الجزائرية بسبب دعمه صاحب البلاغ وتنديده بسجنه. وحُكم عليه غيابياً بالسجن وحُبس أيضاً.

2-24 وفي 5 تموز/يوليه 2010، أُطلق سراح صاحب البلاغ بعد صدور عفو رئاسي (بمناسبة عيد الاستقلال). وخوفاً من الانتقام، لم يلجأ صاحب البلاغ إلى القضاء للشكوى من ظروف احتجازه. ويضيف أن المادة 144 من قانون العقوبات تسمح بإدانة أي شخص ينتقد السلطات العامة أو يعترض على تصرفات السلطات القضائية، دون أن يتاح له أي سبيل للانتصاف.

2-25 وفي 10 تشرين الأول/أكتوبر 2010، حكمت محكمة معسكر على مدير مؤسسة ETGR بالسجن سنتين بتهمة الاختلاس وتبديد الأموال العمومية، في القضية التي أبلغت عنها جمعية الموظفين. وفي 26 كانون الثاني/يناير 2011، أصدرت محكمة الاستئناف في معسكر حكماً ببراءة مدير المؤسسة.

الشكوى

3-1 يدعي صاحب البلاغ أنه وقع ضحية إنكار شديد للعدالة، يشكل انتهاكاً للفقرة 1 من المادة 14 من العهد. ويشير في البداية إلى وقف النظر في شكواه المقدمة إلى النيابة العامة في معسكر، دون إجراء أي تحقيقات نزيهة وشفافة. وعلى الرغم من فتح تحقيق أولي فيما بعد، أسفرت إجراءات صاحب البلاغ عن الحكم عليه هو بالسجن ثمانية عشر شهراً وبدفع غرامة قدرها 000 50 دينار، بتهمة إهانة قاض، بموجب المادة 144 من قانون العقوبات، لا لشيء سوى أنه وجه رسالة احتجاج لا تتضمن أي عبارة مهينة. ويضيف صاحب البلاغ أن الحكم الوارد في هذه المادة صيغ صياغة غامضة وغير دقيقة ( ) .

3-2 وفيما يتعلق بالفقرة 3(ب) من المادة 14، يدعي صاحب البلاغ أن مهلة خمسة عشر يوماً التي منحته إياها المحكمة العليا لتقديم مذكرة دفاع تحمل توقيع محام معتمد لم تكن كافية، لأنه لم يجد محامياً كفؤاً في تلك المهلة.

3-3 ويضيف صاحب البلاغ أنه وقت تقديم بلاغه إلى اللجنة، لم تكن المحكمة العليا قد نظرت بعد في الطعن الذي قدمه إليها في 1 نيسان/أبريل 2008 في القرار الصادر عن محكمة الاستئناف في معسكر في 26 آذار/مارس 2008، على الرغم من مرور اثنين وأربعين شهراً على ذلك. ويرى صاحب البلاغ أن ذلك يشكل تأخيراً مفرطاً، وينتهك من ثم حقه في المحاكمة دون تأخير لا مبرر له، على النحو المكفول في الفقرة 3(ج) من المادة 14 ( ) .

3-4 ويدفع صاحب البلاغ بأنه وقع أيضاً ضحية انتهاك للفقرة 3(د) من المادة 14 من العهد، لأنه حُرم من الاستفادة من تمثيل محام معتمد لدى المحكمة العليا، وفق ما يوجبه القانون. ونتيجةً لذلك باء طعنه بالفشل، لأن طلبه المتعلق بالمساعدة القضائية رُفض بدون وجه حق، ذلك أن القانون الساري في هذا الصدد غير واضح ولا يستند إلى جداول الدخل والقوة الشرائية.

3-5 وأشار صاحب البلاغ إلى إدانته بتهمة الإدلاء بوشاية كاذبة والقذف عقب شكوى قدمها مدير مؤسسة ETGR ، فأكد أن الأقوال والأفعال التي أدين بسببها تدخل في نطاق ممارسة حقه في حرية التعبير. ويذكّر بأنه أدين بموجب المادة 144 من قانون العقوبات، التي يرى أنها تنتهك المادة 19 من العهد ( ) .

3-6 وأشار صاحب البلاغ إلى التعليق العام رقم 20 للجنة (1992) بشأن حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وذكر أيضاً المادة 7 من العهد مدعياً أن ظروف احتجازه في سجني معسكر وغريس كانت لا إنسانية ومهينة.

3-7 وفيما يتعلق بالمادة 10 من العهد، يشير صاحب البلاغ مرة أخرى إلى ظروف الاحتجاز في سجني معسكر وغريس، بما في ذلك ضيق المهاجع مقارنة بعدد السجناء، ويرى أن هذه الظروف تنتهك حق المحتجزين في أن يعامَلوا معاملة إنسانية وتُحترَم كرامتهم.

3-8 ويحتج صاحب البلاغ أيضاً بالفقرة 1 من المادة 17 من العهد، مؤكداً أنه تعرض لاعتداءات غير قانونية تمس شرفه وسمعته. وبعد إطلاق سراحه في 5 تموز/يوليه 2010، أمضى تسعة أشهر بلا عمل ولا دخل، ولم يتلق معاشه التقاعدي إلا اعتباراً من آذار/مارس 2011. ولم يشأ أي رب عمل في المنطقة توظيفه بسبب إدانته.

3-9 وأخيراً، يشير صاحب البلاغ إلى الفقرة 3 من المادة 2 من العهد، ويفيد بأنه لم يجرؤ بعدَ الإفراج عنه في 5 تموز/يوليه 2010 على تقديم شكوى بشأن المعاملة اللاإنسانية التي تعرض لها في السجن، خوفاً من الانتقام، ذلك أن المادتين 144 و300 من قانون العقوبات الجزائري تنصان على عقوبات جزائية على كل شخص يشتكي من السلطات أو ينتقد تصرفات السلطات القضائية. ويؤكد صاحب البلاغ من جديد أن عدم إتاحة سبل انتصاف فعالة وقابلة للإنفاذ يشكل انتهاكاً للفقرة 3 من المادة 2.

3-10 ولهذه الأسباب كلها، يطلب صاحب البلاغ إلى اللجنة أن تعلن أن الدولة الطرف قد انتهكت الفقرة 3 من المادة 2، مقروءة بالاقتران مع المادة 7 والفقرة 1 من المادة 10 والفقرات 1 و3(ب) و(ج) و(د) من المادة 14 والفقرة 1 من المادة 17 والمادة 19 من العهد؛ وأن توصي الدولةَ الطرف باتخاذ جميع التدابير اللازمة من أجل: ‘1‘ تنقيح المادة 147 من الدستور ( ) ، التي تقوض نزاهة القضاة ( ) ؛ ‘2‘ تنقيح المادة 144 من قانون العقوبات التي تقوض حرية التعبير؛ ‘3‘ تنقيح المادة 300 من قانون العقوبات، التي تتعارض مع المادة 14 من العهد ومع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد؛ ‘4‘ تنقيح المادة 505 من قانون الإجراءات الجزائية، التي تشكل مساساً بحق الشخص في الدفاع عن نفسه بنفسه؛ ‘5‘ تنقيح المادة 508 من قانون الإجراءات الجزائية، التي تنتهك الفقرة 3(ب) من المادة 14 من العهد؛ ‘6‘ تعديل قانون المساعدة القضائية، الذي يحدد معايير غير معقولة للاستفادة من هذه المساعدة؛ ‘7‘ اتخاذ التدابير اللازمة لضمان جبر كامل للضرر الذي لحق بصاحب البلاغ.

ملاحظات الدولة الطرف

٤- في 4 أيار/مايو 2015، بعد ثلاث رسائل تذكير، اعترضت الدولة الطرف على مقبولية البلاغ مشيرة إلى "المذكرة المرجعية للحكومة الجزائرية بشأن عدم مقبولية البلاغات الفردية المقدمة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان فيما يتعلق بتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية"، التي أُرسلت للمرة الأولى إلى اللجنة في تموز/يوليه 2009 ( ) . ولم تقدم الدولة الطرف قط أي ملاحظات على الأسس الموضوعية للقضية.

تعليقات صاحب البلاغ

5-1 أفاد صاحب البلاغ، في 2 تموز/يوليه 2015، بأن الدولة الطرف لم تقدم أي ملاحظات بشأن الوقائع الواردة في بلاغه. وأضاف صاحب البلاغ أن المعلومات التي قدمتها الدولة الطرف تتعلق بجرائم الاختفاء القسري وتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، وهي مسائل لا تمت بِصلة إلى شكواه ومطالباته.

5-2 ويكرر صاحب البلاغ ادعاءاته في مجملها ويضيف أنه، في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2012، أي بعد انقضاء حوالي خمس سنوات على طعنه بالنقض - الذي قدمه في 1 نيسان/أبريل 2008 ضد الحكم الصادر في 26 آذار/مارس 2008 عن محكمة الاستئناف في معسكر - (الفقرة 2-14 أعلاه)، أصدرت المحكمة العليا أخيراً قرارها الذي رفضت فيه طعنه من حيث أسسه الموضوعية. ويضيف صاحب البلاغ أن هذا التأخير غير معقول على نحو ظاهر، وأنه تعذر عليه، خلال هذه المحاكمة، أن يدافع عن نفسه أو أن يحصل على مساعدة قانونية. وعلاوة على ذلك، لم يتمكن صاحب البلاغ من الاحتجاج بالعهد أمام المحكمة العليا بسبب المادة 147 من الدستور الجزائري ( ) ، التي تنص على أن القاضي " لا يخضع إلا للقانون"، وبسبب النظام الدستوري الأحادي المتوخى في الدستور. ويرى أن هذا الحكم ينطوي على حيف ضده ويشكل من ثم عائقاً أمام نزاهة القاضي، ويتعارض مع مبدأ أسبقية القانون الدولي. ولذلك ينبغي تعديل المادة 147 من الدستور الجزائري.

عدم تعاون الدولة الطرف

٦- تُذكّر اللجنة بأن الدولة الطرف اعترضت، بعد ثلاث رسائل تذكير، على مقبولية البلاغ مشيرة إلى "المذكرة المرجعية للحكومة الجزائرية بشأن عدم مقبولية البلاغات الفردية المقدمة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان فيما يتعلق بتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية"، التي ليست لها أي صلة بالقضية قيد النظر. وتأسف اللجنة لأن الدولة الطرف امتنعت، من ثم، عن تقديم أي رد بشأن مقبولية ادعاءات صاحب البلاغ أو أسسها الموضوعية. ووفقاً للفقرة 2 من المادة 4 من البروتوكول الاختياري، فإن على الدولة الطرف موافاة اللجنة بالإيضاحات أو البيانات الكتابية اللازمة لجلاء المسألة، مع الإشارة عند الاقتضاء إلى أية تدابير لرفع الظلامة قد تكون اتخذتها. وفي غياب رد من الدولة الطرف، يجب على اللجنة أن تولي الاعتبار الواجب لادعاءات صاحب البلاغ المدعومة بأدلة كافية ( ) .

القضايا والإجراءات المعروضة على اللجنة

النظر في مقبولية البلاغ

7-1 قبل النظر في أي ادعاء يرد في بلاغٍ ما، يجب على اللجنة، وفقاً للمادة 93 من نظامها الداخلي، أن تقرر ما إذا كان البلاغ مقبولاً أم لا بموجب البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد.

7-2 وقد تأكدت اللجنة، وفقاً لما تقتضيه الفقرة 2(أ) من المادة 5 من البروتوكول الاختياري، من أن المسألة ذاتها ليست قيد النظر في إطار أي إجراء آخر من إجراءات التحقيق الدولي أو التسوية الدولية.

7-3 وفيما يتعلق باستنفاد سبل الانتصاف المحلية، تعرب اللجنة من جديد عن قلقها لأنه بالرغم من توجيه ثلاث رسائل تذكير إلى الدولة الطرف، لم ترد منها أي معلومات أو ملاحظات وجيهة بشأن مقبولية البلاغ أو أسسه الموضوعية. ولذلك ترى اللجنة أن ليس ثمة ما يحول دون نظرها في هذا البلاغ وفقاً للفقرة 2(ب) من المادة 5 من البروتوكول الاختياري.

7-4 وتعلن اللجنة أن البلاغ مقبول لأنه يثير مسائل تتعلق بالفقرة 3 من المادة 2، والمادتين 7 و10، والفقرات 1 و3(ب) و(ج) و(د) من المادة 14، والمادتين 17 و19، وتنتقل من ثم إلى النظر في أسسه الموضوعية.

النظر في الأسس الموضوعية

8-1 نظرت اللجنة في هذا البلاغ في ضوء جميع المعلومات المتاحة لها، حسب ما تنص عليه الفقرة 1 من المادة 5 من البروتوكول الاختياري.

8-2 وتلاحظ اللجنة أن الدولة الطرف لم ترُد على ادعاءات صاحب البلاغ من حيث الأسس الموضوعية، وتُذكّر بآرائها التي تفيد بأن عبء الإثبات يجب ألا يقع على عاتق صاحب البلاغ وحده، خاصة وأن صاحب البلاغ لا يتساوى دائماً مع الدولة الطرف في إمكانية الحصول على الأدلة وأن المعلومات اللازمة تكون في أغلب الأحيان في حوزة الدولة الطرف وحدها ( ) . وبناءً عليه، ومثل ما تقضي به الفقرة 2 من المادة 4 من البروتوكول الاختياري، فإن الدولة الطرف ملزمة بأن تحقق بحسن نية في جميع الادعاءات الواردة بشأن انتهاكات أحكام العهد المنسوبة إليها أو إلى ممثليها، وأن تحيل إلى اللجنة المعلومات التي تكون في حوزتها ( ) . ونظراً لعدم تقديم الدولة الطرف أي توضيح بهذا الخصوص، فلا بد من إيلاء ادعاءات صاحب البلاغ الاهتمام الواجب ما دامت معللة بما فيه الكفاية.

8-3 وأحاطت اللجنة علماً بشكوى صاحب البلاغ بموجب المادة 7 من العهد، من أن ظروف احتجازه المزرية في سجني معسكر وغريس، بما في ذلك الاكتظاظ ونقص النظافة والتهوية والإضاءة والغذاء والتمارين البدنية، لا تتماشى مع مقتضيات العهد (الفقرات من 2-20 إلى 2-22 أعلاه). وتلاحظ اللجنة أن الدولة الطرف لم تطعن في هذه المعلومات. وفي غياب أي دحض من الدولة الطرف، تخلص اللجنة إلى أن الدولة الطرف انتهكت المادة 7 من العهد في حق صاحب البلاغ. ‬ وتقرر اللجنة، بعد أن استنتجت وجود انتهاك للمادة 7 ، ألا تنظر على نحو منفصل في التظلم بموجب المادة 10 من العهد.

8-4 وفيما يتعلق بالفقرة 1 من المادة 14 من العهد، تحيط اللجنة علماً بادعاءات صاحب البلاغ أن الشرطة القضائية في معسكر فتحت تحقيقاً أولياً بعد أن أَبلغ عن أفعال الفساد والاختلاس التي اطَّلع عليها بصفته محاسباً في مؤسسة ETGR ، ولكن هذا التحقيق لم يُستكمل قط بسبب الضغط الذي مارسته السلطة التنفيذية. ولذلك أُوقف النظر في شكواه. ويدعي صاحب البلاغ أنه، بعد أن وجه التماسه إلى رئيس الجمهورية، وقع ضحية مكيدة حيث انقلبت دعواه ضده، ذلك أن وكيل الجمهورية في معسكر اتخذ بحقه إجراءات متابعة جزائية بتهمة إهانة قاض، مما أدى إلى الحكم عليه بالسجن ثمانية عشر شهراً ودفع غرامة قدرها 000 50 دينار، فضلاً عن دفع تعويضات قدرها 000 100 دينار.

8-5 ودفع صاحب البلاغ كذلك بأن طلبه المتعلق بالحصول على المساعدة القضائية، في سياق طعنه أمام المحكمة العليا في قضية إهانة قاض، رُفض بدون وجه حق، ولم يُتح له من ثم ما يلزم من الوقت والتسهيلات لإعداد دفاعه، ولم يُسند إليه محام، الأمر الذي يشكل انتهاكاً للفقرتين 3(ب) و(د) من المادة 14 من العهد. وأخيراً، دفع صاحب البلاغ أيضاً بأن المحكمة العليا تأخرت تأخراً غير معقول في النظر في طعنه في قضية القذف التي رفعها ضده رب عمله السابق، ذلك أن صاحب البلاغ قدم طعنه شخصياً في 1 نيسان/أبريل 2008، لكن المحكمة العليا لم تستمع إليه إلا في 27 كانون الأول/ديسمبر 2012، أي بعد مرور خمس سنوات تقريباً على تقديمه. ونظراً لعدم دحض الدولة الطرف هذه الأقوال أو تقديم توضيحات بشأنها، تولي اللجنة ادعاءات صاحب البلاغ الاهتمام الواجب، وتخلص إلى أن الدولة الطرف انتهكت الفقرات 1 و3(ب) و(ج) و(د) من المادة 14 من العهد.

8-6 وفيما يتعلق بالمادة 17، تحيط اللجنة علماً بادعاء صاحب البلاغ أنه تعرض لاعتداءات غير قانونية على شرفه وسمعته وأنه أمضى، بعد إطلاق سراحه في تموز/يوليه 2010، تسعة أشهر بلا عمل ولا دخل، إذ لم يشأ أي رب عمل في المنطقة توظيفه بسبب إدانته. وتشير اللجنة كذلك إلى أن صاحب البلاغ أدين عقب إجراءات رأت أنها لا تتماشى مع ضمانات المحاكمة العادلة، لأنه أراد الإبلاغ عن أفعال احتيال اكتشفها أثناء عمله محاسباً في مؤسسة ETGR ، وهي وقائع أُكدت لاحقاً وأفضت إلى إدانة مدير الشركة. ومع ذلك، لم يستفد صاحب البلاغ من أي تدبير من تدابير جبر الضرر، وعانى من البطالة مدة طويلة مردها فيما يبدو إدانته غير المبررة، ويخشى الآن من الانتقام إذا اشتكى من المعاملة التي تعرض لها. وتشير اللجنة إلى أن المادة 17 تنص على أن لكل شخص الحق في الحماية من الاعتداء غير القانوني على شرفه وسمعته، وتخلص إلى أن المعاملة التي تعرض لها صاحب البلاغ تشكل انتهاكاً في حقه للمادة 17 من العهد.

8-7 وفيما يتعلق بتظلم صاحب البلاغ بموجب المادة 19، يجب على اللجنة أن تحدد ما إذا كانت إدانة صاحب البلاغ جنائياً بموجب المادة 144 من قانون العقوبات بتهمة إهانة قاض بعد إدلائه بتصريحات موجهة إلى رئيس الجمهورية يتنقد فيها السلطات القضائية في معسكر، تشكل، مثلما يدفع به هو، انتهاكاً لحقه في حرية التعبير، بما في ذلك حقه في نقل المعلومات، على النحو المكفول في الفقرة 2 من المادة 19 من العهد. وتشير اللجنة إلى ملاحظاتها الختامية المعتمدة بعد النظر في التقرير الدوري للدولة الطرف في عام 2007، التي أعربت فيها عن قلقها إزاء التعديل الذي أُدخل على قانون العقوبات في عام 2001، ويقضي بتجريم أفعال القذف وإهانة موظفي الدولة ومؤسساتها، بحيث باتت هذه الجنح تستوجب عقوبات قاسية، ومنها بالأخص عقوبة السجن (CCPR/C/DZA/CO/3، الفقرة 24) ( ) .

8-8 وتذكّر اللجنة بأن الفقرة 3 من المادة 19 تجيز فرض قيود على حرية التعبير، شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم. وفي هذه القضية، تلاحظ اللجنة أن الدولة الطرف لم تقدم أي تفسير من شأنه أن يبين أن الدعوى الجنائية ضد صاحب البلاغ وإدانته بتهمة الإهانة كانتا ضروريتين لصون نزاهة السلطة القضائية. وعليه، فإن إدانة صاحب البلاغ والحكم عليه في هذه القضية بموجب المادة 144 من قانون العقوبات، يشكلان انتهاكاً للفقرة 2 من المادة 19 من العهد ( ) .

8-9 ويحتج صاحب البلاغ أيضاً بالفقرة 3 من المادة 2 من العهد التي تلزم الدول الأطراف بأن تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتُهكت حقوقه المعترف بها في هذا العهد. وتولي اللجنة أهمية لوضع الدول الأطراف آليات قضائية وإدارية ملائمة للنظر في الشكاوي التي تنطوي على انتهاكات للحقو ق. وتذكّر بتعليقها العام رقم 31 (2004) بشأن طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد، الذي تشير فيه على وجه الخصوص إلى أن تخلف الدولة الطرف عن التحقيق في المزاعم المتعلقة بالانتهاكات يمكن أن يؤدي، في حد ذاته، إلى خرق مستقل للعهد. وفي هذه القضية، تشير اللجنة إلى أن صاحب البلاغ قد أبلغ، بصفته محاسباً، عن وقائع يبدو أنها تكشف عن أفعال اختلاس وفساد ارتُكبت في مؤسسة ETGR العمومية التي كان يعمل فيها محاسباً. وأوقف النظر في شكوى صاحب البلاغ دون إجراء أي تحقيق شفاف، بل حُكم عليه بالسجن لمدة 18 شهراً ودفع غرامة قدرها 000 50 دينار بتهمة إهانة قاض، بموجب المادة 144 من قانون العقوبات. وعلاوة على ذلك، أكد صاحب البلاغ أنه يخشى التعرض لأعمال انتقامية وملاحقة قضائية جديدة ولم يعد يجرؤ من ثم، منذ الإفراج عنه، على تقديم شكوى بشأن الانتهاكات التي تعرض لها، وذلك لأن أحكام المادتين 144 و300 من قانون العقوبات تنصان على فرض عقوبات على أي شخص يشتكي من السلطات أو ينتقد تصرفات السلطات القضائية. وفي غياب أي تفسير من الدولة الطرف، تخلص اللجنة إلى أن الوقائع المعروضة عليها تكشف عن حدوث انتهاك للفقرة 3 من المادة 2 من العهد، مقروءة بالاقتران مع المادة 7، والفقرة 1 من المادة 10، والفقرات 1 و3(ب) و(ج) و(د) من المادة 14، والمادة 19 من العهد في حق صاحب البلاغ.

9- واللجنة، إذ تتصرف بموجب الفقرة 4 من المادة 5 من البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد، ترى أن الوقائع المعروضة عليها تكشف عن وجود انتهاك للمادة 7، والفقرة 1 من المادة 10، والفقرات 1 و3(ب) و(ج) و(د) من المادة 14، والمادتين 17 و19 من العهد، وللفقرة 3 من المادة 2 مقروءة بالاقتران مع المادة 7، والفقرات 1 و3(ب) و(ج) و(د) من المادة 14، والمادتين 17 و19 من العهد.

١٠- ووفقاً لأحكام الفقرة 3(أ) من المادة 2 من العهد، يجب على الدولة الطرف أن توفر لصاحب البلاغ سبيل انتصاف فعالاً. ‬ ويقتضي منها ذلك أن تجبر جبراً كاملاً أي ضرر لحِق بالأفراد الذين انتُهكت حقوقهم المكفولة بموجب العهد . ‬ وفي هذه الحالة، يتعين على الدولة الطرف بوجه خاص أن تجري تحقيقاً شاملاً وفعالاً في الوقائع، وأن تقا ضي المسؤولين وتعاقبهم وتمنح صاحب البلاغ تدابير ترضية ملائمة. وعملاً بالفقرة 2 من المادة 2 من العهد، فإن الدولة الطرف ملزمة أيضاً بتنقيح تشريعاتها الوطنية، ولا سيما المادة 144 من قانون العقوبات لتتماشى مع المادة 19 من العهد. والدولة الطرف ملزمة أيضاً بالحرص على منع حدوث انتهاكات مماثلة في المستقبل.

١١- واللجنة إذ تضع في اعتبارها أن الدولة الطرف اعترفت، لدى انضمامها إلى البروتوكول الاختياري، باختصاص اللجنة في تحديد ما إذا كان قد حدث انتهاك للعهد أم لا، وأنها تعهدت بمقتضى المادة 2 من العهد بأن تكفل لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والخاضعين لولايتها الحقوق المعترف بها في العهد، وبأن تتيح لهم سبل انتصاف فعالة وقابلة للإنفاذ إذا ثبت حدوث انتهاك، تودّ أن تتلقى من الدولة الطرف، في غضون مائة وثمانين يوماً، معلومات عن التدابير المتخذة لوضع آراء اللجنة موضع التنفيذ. ويُطلب إلى الدولة الطرف أيضاً أن تنشر آراء اللجنة، وأن تترجمها إلى اللغة الرسمية للدولة الطرف، وأن تعممها على نطاق واسع.

المرفق

رأي فردي أدلى به السيد أوليفييه دي فروفيل

١- أتفق مع اللجنة في استنتاجاتها بشأن الانتهاكات المنسوبة إلى الدولة الطرف، على النحو المبين في الفقرة 9 من الآراء. إلا أنني لا أؤيد النهج الذي اتبعته اللجنة عند تناولها تظلمات صاحب البلاغ بموجب المادة 19 من العهد. ففي الفقرة 8-7 من الآراء، تفسر اللجنة تظلم صاحب البلاغ وكأنه حصر أساس الانتهاك في إدانته جنائياً بموجب المادة 144 من قانون العقوبات بتهمة إهانة قاض. غير أن التظلم الوارد بإيجاز في الفقرة 3-5 - وإن بلغة مضمرة بعض الشيء - يبين أن صاحب البلاغ لا يشتكي من هذه الإدانة فقط، في سياق حرية التعبير، بل يشتكي أيضاً من إدانته بتهمة الإدلاء بوشاية كاذبة والقذف في حق مدير مؤسسة ETGR . فالانتهاك المزعوم يتألف من فعل "مركب"، أي سلسلة من الأفعال وأوجه الامتناع عن الفعل، تشمل هاتين الإدانتين، ويراد بها تحقيق أمرين هما تخويف صاحب البلاغ لإجباره على الصمت، والانتقام منه بسبب إبلاغه عن أفعال وممارسات مخالفة للقانون، اكتشفها أثناء عمله محاسباً في مؤسسة ETGR .

٢- وتنص المادة 19 من العهد على حماية حق كل شخص في نقل المعلومات، وكذلك حق عامة الناس في تلقيها. ومن المسلم به على نطاق واسع اليوم على وجه الخصوص أن الدول ملزمة، من أجل إعمال الحق في حرية التعبير، بوضع إطار تشريعي واتباع ممارسات تيسر وتحمي الكشف عن معلومات تتعلق بمسائل تدخل في نطاق المصلحة العامة، ضمن الحدود المنصوص عليها في الفقرة 3 من المادة 19. واستناداً إلى التطورات الأخيرة في القانون الدولي وممارسات الدول، عرّف المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، السيد ديفيد كاي ، مصطلح "المبلغ عن المخالفات" بأنه "شخص يفشي معلومات يعتقد، إلى حد معقول، وقت إفشائها أنها صادقة وتمثل تهديداً أو ضرراً لمصلحة عامة معينة، مثل انتهاك قانون دولي أو وطني، أو سوء استغلال السلطة، والهدر، والغش، أو الإضرار بالبيئة، أو الصحة العمومية، أو السلامة العامة" ( ) . ويوصي المقرر الخاص الدول باتخاذ تدابير منها إنشاء "قنوات فعالة ووقائية للمبلغين لحفز اتخاذ إجراءات علاجية"، وفي غياب تلك القنوات، ينبغي السماح بعمليات الكشف العلني ( ) ؛ وينبغي تجنب الملاحقات القضائية ضد المبلغين عن المخالفات، إلا في "الحالات الاستثنائية التي قد تُلحق أشد ضرر يمكن إقامة الدليل عليه بمصلحة مشروعة محددة ( ) "، والتحقيق ومعاقبة الأشخاص المسؤولين عن أعمال الانتقام والاعتداء ضد المبلغين عن المخالفات ( ) .

٣- وفي ضوء الوقائع التي أبلغ عنها صاحب البلاغ ولم تعترض عليها الدولة الطرف، يبدو أن صاحب البلاغ يدخل بالفعل ضمن هذه الفئة من المبلغين عن المخالفات، وأنه بصفته هذه تعرض لأعمال الانتقام والتخويف التي شكلت انتهاكاً جسيما لحقه في حرية التعبير. ومن المؤسف أن اللجنة لم تقف على هذا الأمر ولم تغتنم هذه الفرصة لتُطور اجتهادها بشأن الوضع القانوني للمبلغين عن المخالفات بموجب المادة 19 من العهد.

٤- وعلاوة على ذلك، من الجدير بالذكر في سياق هذه القضية، أن حماية المبلغين عن المخالفات لا تنطبق في مجال القانون الدولي لحقوق الإنسان فحسب، بل إن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي صدقت عليها الجزائر في 25 آب/أغسطس 2004، تتيح بالذات مجالاً لانطباق تلك الحماية في سياق مكافحة الفساد. وتلزم المادة 33 من هذه الاتفاقية الدول الأطراف بأن تُدخل في صلب نظامها القانوني الداخلي "تدابير مناسبة لتوفير الحماية من أي معاملة لا مسوّغ لها لأي شخص يقوم، بحسن نيّة ولأسباب وجيهة، بإبلاغ السلطات المختصة بأي وقائع تتعلق بأفعال مجرّمة وفقاً لهذه الاتفاقية".