الأمم المتحدة

E/C.12/GC/27

ا لمجلس الاقتصادي والاجتماعي

Distr.: General

6November 2025

Arabic

Original: English

اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

التعليق العام رقم 27(2025) بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبعد البيئي للتنمية المستدامة *

أولا ً - مقدمة

1- إن البيئة النظيفة والصحية والمستدامة شرط أساسي للتمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وإن الطبيعة لا غنى عنها لوجود الإنسان ورفاهه، فهي لا تساند الحياة فحسب، بل تشكل أيضا ً الأساس للعمليات الإيكولوجية، بما في ذلك نوعية الهواء والمياه، وخصوبة التربة، واستقرار المناخ، والتلقيح، والتخفيف من آثار المخاطر الطبيعية. غير أن التحديات البيئية المتسارعة والمترابطة في عصرنا، مثل تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث، تشكل تهديدا ً خطيرا ً لقدرة الأجيال الحالية والمقبلة على التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتسهم بالفعل في انتهاك هذه الحقوق. ويؤدي تغير المناخ، الناجم عن الأنشطة البشرية، إلى زيادة تواتر الظواهر الجوية القصوى وشدتها على الصعيد العالمي، مثل موجات الحر، وهطول الأمطار الغزيرة والفيضانات، والجفاف، والأعاصير المدارية، كما يتسبب في تغيرات بطيئة الوتيرة، من بينها ارتفاع مستويات سطح البحر ( ) . وتزداد العمليات الإيكولوجية الرئيسية اضطرابا ً أو ضعفا ً ، ويتناقص التنوع البيولوجي بسرعة على مستوى الأنواع والنظم الإيكولوجية بسبب الآثار المركبة لتغير المناخ، وتغير أنماط استخدام الأراضي والبحار، والاستغلال المفرط للموارد، والتلوث، والإدارة غير السليمة للمواد الكيميائية والنفايات ( ) .

2- وينذر هذا الوضع بالخطر على نحو متزايد، حيث إن هذه الأزمات البيئية المتفاعلة "تزيد من خطر الوصول إلى نقاط تحول بيوفيزيائية لا رجعة فيها تهدد النظم والعمليات الإيكولوجية الأساسية التي تحافظ على الحياة" ( ) . وتنبع هذه التهديدات البيئية الكوكبية من مستويات غير مستدامة من الإنتاج والاستهلاك، لا سيما في الدول المتقدمة التي ساهمت تاريخيا ً بأكبر قدر من المساهمة في التدهور البيئي وتغير المناخ، وتتشكل من خلال علاقات الهيمنة الدائمة على الطبيعة والناس على حد سواء، والتي تضرب بجذورها بعمق في ممارسات استخراج الموارد إبّان الحقبة الاستعمارية ( ) . وفي ظل المعدل الحالي لاستغلال الموارد والتلوث والتدمير البيئي، ودون مراعاة الحدود البيئية لكوكب الأرض، يستحيل تحقيق المساواة في إعمال الحقوق التي يكفلها العهد للجميع. وغالبا ً ما تؤدي الممارسات غير المستدامة في استخدام الموارد الطبيعية وما ينجم عنها من تدهور بيئي إلى إشعال النزاعات المسلحة وزعزعة الاستقرار، اللذين يتفاقمان بدورهما بسبب هذه الممارسات ( ) .

3- وإن الأفراد والمجموعات والبلدان، بما في ذلك ضحايا الاستعمار وتجارة الرقيق والفصل العنصري، الذين ساهموا تاريخيا ً بأقل قدر من المساهمة في الأزمة البيئية، هم في الغالب الأكثر تضررا ً منها، والأقل قدرة على مواجهة آثارها السلبية. فالشعوب الأصلية والفلاحون والمجتمعات الأخرى ذات الصلات العميقة بالطبيعة هم من أوائل من يعانون من عواقبها المدمرة. وعلاوة على ذلك، يؤدي التدهور البيئي إلى تفاقم أحد أكبر التحديات العالمية، وهو القضاء على الفقر وإنهاء الجوع وسوء التغذية، كما يغذي أزمات الهجرة واللاجئين. وهذا يؤكد على الروابط المتبادلة بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية المستدامة. وتستدعي هذه التحديات المترابطة تعزيز التوجيهات بشأن إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ووضع الكرامة الإنسانية للأجيال الحالية والمقبلة، إلى جانب العدالة البيئية، في موقع الصدارة.

4- ويسلط هذا التعليق العام الضوء على الآثار السلبية للتدهور البيئي على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويوضح التزامات الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فيما يتعلق بالبعد البيئي للتنمية المستدامة. وتسعى اللجنة فيه إلى تقديم توجيهات بشأن تنفيذ هذه الحقوق بطريقة تراعي الحدود الإيكولوجية والطبيعة المحدودة للموارد الطبيعية.

ثانيا ً - النطاق وطريقة التفسير

5- تسعى التنمية المستدامة إلى إعمال حقوق جميع البشر في مستوى معيشي لائق على أساس مشاركتهم النشطة والحرة والهادفة في التنمية، والتوزيع العادل للمنافع الناشئة عنها، دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها الخاصة ( ) . وهي تتطلب اتباع نهج متوازن ومتكامل يشمل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وقد أكدت اللجنة في ممارستها على الروابط الوثيقة بين العهد والتنمية المستدامة ( ) . وشددت على أن الإعمال الكامل للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجميع، لا سيما أولئك الذين يعيشون في أوضاع حرمان وتهميش، أمر بالغ الأهمية لتحقيق التنمية المستدامة ( ) . وفي الوقت نفسه، أقرت اللجنة بأن حماية البيئة أمر لا غنى عنه لإعمال هذه الحقوق.

6- وتقر اللجنة بأن الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة هو حق مستقل من حقوق الإنسان، ولا غنى عنه للتمتع الفعلي بجميع الحقوق المنصوص عليها في العهد. ويُستمد هذا الحق من العهد برمته، كما ينبع من بعض الحقوق المحددة فيه، بما في ذلك الحق في الصحة ( ) ، والحق في مستوى معيشي لائق، والحق في المشاركة في الحياة الثقافية ( ) . كما اعترفت الجمعية العامة صراحة في عام 2022 بالحق في بيئة صحية ( ) ، وأقرت به منذ ذلك الحين مؤتمرات الأطراف في كل من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، واتفاقية التنوع البيولوجي ( ) .

7- وفي حين أن العديد من الأفراد والمجموعات، لا سيما أولئك الذين يعيشون في أوضاع هشة ومهمشة، يعانون بالفعل من آثار خطيرة على حقوقهم المنصوص عليها في العهد بسبب التدهور البيئي، من المرجح أن تتفاقم هذه الآثار مع مرور الوقت. وفي حال عدم اتخاذ إجراءات عاجلة ومستدامة، ستتحمل الأجيال القادمة عبئا ً أكبر، مع تضاؤل فرص إعمال حقوقها المنصوص عليها في العهد. ولذلك فإن ضمان الإعمال التدريجي للحقوق المنصوص عليها في العهد يتطلب منظورا ً يراعي الأجيال المتعاقبة، ويرتكز على التقاسم العادل للحقوق والمسؤوليات والموارد عبر الأجيال.

8- ولا تزال أوجه عدم المساواة الهيكلية قائمة على الصعيدين الوطني والدولي. ولا يزال عدم تكافؤ فرص الحصول على الموارد الطبيعية والأراضي والمنافع والخدمات العامة، فضلا ً عن سياسات الدولة وعمليات صنع القرار، يشكل عائقا ً أمام تحقيق التنمية المستدامة. ولضمان إعمال الحقوق المنصوص عليها في العهد للجميع، يجب التغلب على أوجه عدم المساواة هذه بطريقة تحترم تماما ً مبدأي عدم التمييز والمساواة الفعلية. ولا تزال الهياكل الاقتصادية العالمية الراهنة تتأثر باختلالات الماضي والحاضر في أنماط الإنتاج والاستهلاك، حيث لا تزال البلدان النامية تتحمل الأعباء البيئية الناجمة عن الاستخراج والإنتاج، بينما تجني البلدان المتقدمة المنافع الاقتصادية بشكل غير متناسب ( ) . وقد تؤدي هذه الاختلالات الهيكلية إلى تقويض قدرة العديد من البلدان الفقيرة على الانتقال من الاقتصادات المعتمدة على الوقود الأحفوري مع ضمان التمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد ( ) . وإن الوفاء بالالتزام بالمساعدة والتعاون الدوليين بموجب العهد، إلى جانب مبدأ المسؤوليات المشتركة وإن كانت متباينة ومراعاة قدرات كل طرف بموجب المعاهدات ذات الصلة والقانون الدولي العام، أمر ضروري لمعالجة هذه التفاوتات وتحقيق التنمية المستدامة.

9- وعند توضيح التزامات الدول الأطراف بإعمال الحقوق المنصوص عليها في العهد فيما يتعلق بالبعد البيئي للتنمية المستدامة، يجب أن يؤخذ القانون البيئي الدولي في الاعتبار، وفقا ً للمادة 31(3)(ج) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات ( ) . وفي المقابل، يجب على الدول الأطراف الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما يشمل العهد، عند تنفيذ التزاماتها بموجب القانون البيئي الدولي.

10- وينبغي أن يسترشد تفسير العهد وتنفيذه في سياق التدهور البيئي بالالتزامات العامة والمبادئ الأساسية الواردة فيه، والتي تشمل الإعمال التدريجي للحقوق واستخدام أقصى قدر من الموارد المتاحة، ومبادئ المساواة وعدم التمييز، والمشاركة الهادفة، والحصول على المعلومات، وإمكانية اللجوء إلى العدالة، والمساعدة والتعاون الدوليين. وينبغي أن يسترشد هذا الإطار كذلك بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة، والحق في التنمية، الذي يستلزم تلبية الاحتياجات التنموية والبيئية على نحو منصف عبر الأجيال ( ) . وينبغي أيضا ً أن يُسترشد في التفسير بقواعد القانون البيئي الدولي ذات الصلة، بما في ذلك مبادئ الإنصاف بين الأجيال ( ) ، والمسؤوليات المشتركة وإن كانت متباينة ومراعاة قدرات كل طرف ( ) ، والمبدأ الوقائي ( ) . ويتطلب الإعمال الكامل للحقوق المنصوص عليها في العهد انتقالا ً عادلا ً نحو اقتصاد مستدام يضع حقوق الإنسان وسلامة الكوكب في صميم اهتماماته.

ثالثا ً - التزامات الدول الأطراف بموجب العهد في سياق التدهور البيئي

ألف- الالتزامات العامة

الالتزام بالاحترام والحماية والإعمال

11- تقع على عاتق الدول الأطراف التزامات باحترام الحقوق المنصوص عليها في العهد وحمايتها وإعمالها. وفي سياق التدهور البيئي، يتطلب الالتزام بالاحترام من الدول الأطراف الامتناع عن الأفعال التي يُتوقع أن تسهم أو تتسبب في إلحاق أضرار جسيمة بالهواء والأرض والمياه والمحيطات واستقرار المناخ والتنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية. ويتطلب الالتزام بالحماية من الدول الأطراف منع الأضرار البيئية التي يمكن أن تؤدي إلى انتهاكات للحقوق المنصوص عليها في العهد، بما في ذلك عن طريق تنظيم أنشطة الجهات الفاعلة الأخرى، مثل الكيانات التجارية، الخاضعة لولايتها أو سيطرتها. ويتطلب ذلك أيضا ً من الدول الأطراف ممارسة العناية الواجبة في حماية الحقوق المنصوص عليها في العهد من الأضرار البيئية، وفقا ً لمستوى من العناية يتناسب مع درجة الخطر ( ) ، ويستلزم اعتماد جميع التدابير المناسبة والضرورية لحماية التمتع بهذه الحقوق من التهديدات البيئية التي تسببها أو تفاقمها الأنشطة البشرية، مثل ارتفاع مستوى سطح البحر، وندرة المياه، والفيضانات، والجفاف، والتصحر، وتدهور الأراضي، وإزالة الغابات، وتلوث الهواء والمياه والتربة، والعواصف. وحيثما يوجد خطر وقوع ضرر بيئي جسيم لا يمكن إصلاحه يؤثر على الحقوق المنصوص عليها في العهد، ينبغي للدول الأطراف أن تطبق المبدأ الوقائي وتتخذ جميع التدابير اللازمة لمنع هذا الضرر، حتى في غياب اليقين العلمي ( ) . ويقتضي الالتزام بالإعمال أن تتخذ الدول الأطراف التدابير التشريعية والإدارية والمالية والقضائية وغيرها من التدابير المناسبة لضمان التمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد، بما في ذلك من خلال الحفاظ على النظم الإيكولوجية الأساسية لتلك الحقوق، وحمايتها واستعادتها. ويشمل ذلك تأمين الهواء النقي والمناخ الآمن والأراضي الخصبة والنظم الإيكولوجية السليمة، بما في ذلك الغابات والأراضي الرطبة، وضمان سلامة الأنهار والمحيطات ( ) .

12- وفي حين أن الشركات يمكن أن تسهم في تعزيز حقوق الإنسان والتنمية المستدامة، فإن بعض الأنشطة - مثل استخراج الوقود الأحفوري واستخدامه، والتعدين على نطاق واسع، وإزالة الغابات، وغيرها من الممارسات التي تؤدي إلى استنزاف الموارد والتلوث - يمكن أن تقوض بشكل كبير التمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد. ويجب على الدول الأطراف أن تعتمد تدابير تشريعية وإدارية وتثقيفية وغيرها من التدابير الملائمة من أجل ضمان الحماية الفعالة من الانتهاكات المتصلة بأنشطة الأعمال التجارية للحقوق المنصوص عليها في العهد، بما في ذلك عن طريق وضع أطر تنظيمية للإشراف على الأنشطة التجارية ومراقبتها. ويجب أيضا ً أن تكون هناك آليات فعالة تكفل المساءلة وتوفر سبل الانتصاف لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان المتصلة بأنشطة الأعمال التجارية ( ) . وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يكون لدى الدول الأطراف إطار قانوني يلزم الكيانات التجارية بممارسة العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان والبيئة ، بهدف تحديد الآثار البيئية الضارة بالحقوق المنصوص عليها في العهد الناشئة عن قراراتها وعملياتها وسلاسل القيمة الخاصة بها، ورصد هذه الآثار ومنعها والتخفيف من حدتها وجبر الضرر الناجم عنها ( ) .

13- وبالنظر إلى الطابع المترابط وغير القابل للتجزئة لجميع حقوق الإنسان، يجب على الدول الأطراف أن تكفل التمتع الكامل بالضمانات الإجرائية في المسائل البيئية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه وجبر الأضرار الناجمة عنه، والحصول على المعلومات، والمشاركة العامة الشاملة والهادفة في جميع عمليات التخطيط وصنع القرار ذات الصلة، والوصول إلى العدالة وسبل الانتصاف الفعالة ( ) . وعندما تتأثر الشعوب الأصلية، يجب احترام وحماية حقوقها في الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة ( ) . وينبغي للدول الأطراف أن تحترم وتحمي وتعزز عمل المدافعين عن حقوق الإنسان البيئية وحقوق الإنسان للشعوب الأصلية، فضلا ً عن الجهات الفاعلة الأخرى في المجتمع المدني التي تدعم الأشخاص الذين يعيشون في أوضاع التهميش والحرمان في إعمال حقوقهم المنصوص عليها في العهد ( ) . وينبغي للدول الأطراف أن تتخذ جميع التدابير اللازمة لضمان تمكين المدافعين عن حقوق الإنسان البيئية والصحفيين من مزاولة عملهم دون خوف من المضايقة أو الترهيب أو العنف، بما في ذلك عن طريق حمايتهم من الأذى من جانب أطراف ثالثة ( ) . ويجب أيضا ً أن تخضع عملية صنع القرار على الصعيدين الدولي والمحلي لضمانات النزاهة، مثل الشفافية، وآليات منع تضارب المصالح، والتدابير المضادة للاستحواذ على القرار، وذلك لضمان أن تكون النتائج خالية من أي تأثير غير مبرر قد يضر بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة.

14- وحيثما يتقرر أن نشاطا ً ما يشكل خطرا ً كبيرا ً على البيئة وبالتالي يؤثر على التمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد، يجب على الدول الأطراف إجراء تقييمات للأثر البيئي والأثر على حقوق الإنسان، لأنها تشكل مكونات أساسية للالتزامات الإجرائية ( ) . وينبغي إجراء هذه التقييمات قبل مباشرة النشاط، وأن تكون مستقلة، وأن تراعي الآثار التراكمية، وأن تُنفذ، في الحالات التي تنطوي على أنشطة قد تمس أراضي الشعوب الأصلية، بطريقة تحترم ثقافتها ( ) . وينبغي أن تُجرى هذه التقييمات بمشاركة عامة فاعلة، وأن تُعلَن نتائجها على الملأ، وأن يُستفاد منها في وضع تدابير تهدف إلى منع أي انتهاكات أو تجاوزات لحقوق الإنسان ووقفها ومعالجتها.

15- ويتطلب احترام الحقوق المنصوص عليها في العهد وحمايتها وإعمالها معالجة الأسباب الجذرية للأزمات المترابطة المتمثلة في تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث. وتحدث هذه الأزمات بفعل أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة، والنموذج الاقتصادي القائم على النمو غير المحدود. ولا بد من الانتقال إلى اقتصاد يتمحور حول حقوق الإنسان وسلامة الكوكب لكفالة المساواة في التمتع بحقوق الإنسان ضمن الحدود الإيكولوجية للأرض.

16- وعلى وجه الخصوص، يؤثر تغير المناخ بالفعل تأثيرا ً بالغا ً في التمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد، ويؤدي إلى تفاقم التحديات البيئية الأخرى، مما يتطلب إحداث تحول منهجي واعتماد تدابير سياساتية ملموسة. وبموجب العهد، تلتزم الدول الأطراف باعتماد وتنفيذ تدابير للتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها من أجل حماية الحقوق المنصوص عليها في العهد من هذه الآثار، وتوفير الجبر عن الآثار الضارة لتغير المناخ. ويجب أن تعكس هذه التدابير أعلى مستوى ممكن من الطموح لبلوغ الهدف العالمي المتعلق بدرجات الحرارة، بهدف تجنب أسوأ الأضرار المرتبطة بالمناخ ودعم حقوق الإنسان والتنمية المستدامة. ويجب على الدول الأطراف، عند تصميم وتنفيذ تدابير التخفيف والتكيف، كفالة أن تكون هذه التدابير شاملة للأشخاص ذوي الإعاقة ( ) ، وأن تعالج أوجه التمييز أو عدم المساواة الهيكلية، مع إيلاء اهتمام خاص لحقوق الأفراد والجماعات الذين يعيشون أوضاعا ً هشة ( ) .

17- وللتخفيف من تغير المناخ، يجب على الدول الأطراف اتخاذ جميع التدابير المتاحة، استنادا ً إلى أفضل الأدلة العلمية المتوافرة، للحد من انبعاثات غازات الدفيئة بما يتماشى مع الهدف المتعلق بدرجات الحرارة المنصوص عليه في اتفاق باريس ( ) . وإذا استمرت الوتيرة الحالية لإنتاج الوقود الأحفوري، فمن المرجح أن تتجاوز الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة المستوى المتوافق مع الهدف المتعلق بدرجات الحرارة في اتفاق باريس، مع ما يترتب على ذلك من آثار بعيدة المدى على إعمال الحقوق المنصوص عليها في العهد. وعلاوة على ذلك، ينبغي للدول الأطراف أن تقلل تدريجيا ً من التوسع في البنية التحتية للوقود الأحفوري، سواء من جانب السلطات العامة أو الجهات الفاعلة في القطاع الخاص، وأن تلغي تدريجيا ً إعانات الوقود الأحفوري غير الكفؤة التي لا تعالج فقر الطاقة أو عمليات التحول العادل ( ) . وينبغي للدول الأطراف أن تبذل كل الجهود لتعزيز الطاقة المتجددة، والتخلص التدريجي من الطاقة القائمة على الفحم غير الخاضع لتدابير خفض درجة التلوث، والتحول عن الوقود الأحفوري في نظم الطاقة بطريقة عادلة ومنظمة ومنصفة ( ) . وينبغي للدول المتقدمة النمو، تمشيا ً مع مبدأ المسؤوليات المشتركة وإن كانت متباينة ومراعاة قدرات كل طرف، أن تقود جهود التخفيف من الآثار، وأن تقدم المساعدة المالية والتكنولوجية إلى الدول النامية لتمكينها من اتخاذ إجراءات فعالة في مجال المناخ ( ) . وتشمل تدابير التخفيف أيضا ً تعزيز الكفاءة في استخدام الطاقة؛ والحد من توليد النفايات من خلال الوقاية وإعادة التدوير وإعادة الاستعمال؛ والحد من هدر الأغذية؛ والانتقال نحو نظم غذائية مستدامة تتماشى مع حقوق الإنسان؛ وتشجيع بناء مساكن محايدة من حيث الكربون ( ) .

18- وتؤدي الغابات والأراضي والأراضي الرطبة والنظم الإيكولوجية البحرية دورا ً حاسما ً في التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه، حيث تعمل كمصارف وخزانات طبيعية لغازات الدفيئة. ويجب على الدول الأطراف أن تتخذ جميع التدابير اللازمة لحفظ هذه النظم الإيكولوجية وحمايتها واستعادتها، بما في ذلك وقف إزالة الغابات وتدهور الأراضي والغابات والتلوث البحري وعكس مساراتها ( ) . ووفقا ً للمبدأ الوقائي، ينبغي عدم استخدام التكنولوجيات المتصلة بالمناخ التي لم يثبت بعد نجاعة استخدامها قبل فهم وتقييم مخاطرها البيئية وآثارها المحتملة على الحقوق المنصوص عليها في العهد بشكل كامل ( ) .

الإعمال التدريجي (المادة 2(1))

19- يتطلب الإعمال التدريجي أن تتخذ الدول الأطراف خطوات مدروسة وملموسة وهادفة نحو الإعمال الكامل للحقوق المنصوص عليها في العهد، وأن تُحرز تقدما ً بأقصى قدر ممكن من السرعة والفعالية ( ) . ولرصد هذا التقدم وتقييمه، لا بد من إدراج مؤشرات مناسبة وأهداف محددة زمنيا. ويجب على الدول الأطراف أن تدمج الاعتبارات المتعلقة بالاستدامة بالكامل عند وضع القوانين والسياسات والبرامج، بما يكفل إعمال هذه الحقوق للأجيال الحالية والمقبلة.

20- ولا يمكن اعتبار التقدم المحرز في إعمال الحقوق المنصوص عليها في العهد كافيا ً إذا لم يعالج أوجه عدم المساواة القائمة أو إذا أدى إلى تفاقم التفاوتات في التمتع بها. ويجب أن يسترشد الإعمال التدريجي بمبدأ عدم التمييز والمساواة، بدءا ً من تلبية المستويات الأساسية الدنيا لكل حق. ويجب على الدول الأطراف تحسين إعمال هذه الحقوق للجميع، مع إعطاء الأولوية للأفراد والجماعات الذين يعيشون في أوضاع تهميش أو حرمان، وهم غالبا ً الأكثر تأثرا ً بالتدهور البيئي والأقل امتلاكا ً للموارد اللازمة للتعامل معه.

21- وينطوي مبدأ الإعمال التدريجي على منع التراجع ( ) . وهذا يعني أنه يجب على الدول الأطراف الامتناع عن اعتماد أية تدابير من شأنها أن تقلل من مستوى إعمال الحقوق المنصوص عليها في العهد. وفي حال اقتراح تدبير ذي طابع تراجعي، يجب تبريره تبريرا ً كاملا ً في ضوء مجمل الحقوق المنصوص عليها في العهد وفي ضوء الاستخدام الكامل للحد الأقصى من الموارد المتاحة. وتتطلب مثل هذه التدابير النظر بعناية فائقة فيما إذا كانت مؤقتة وضرورية ومتناسبة وغير تمييزية، ومدى تأثيرها على الحد الأدنى الجوهري من مضمون الحقوق المعنية ( ) .

22- ومن أمثلة التراجع إضعاف اللوائح البيئية بما يزيد من المخاطر الصحية، أو تقليص فرص الحصول على مياه نظيفة وخدمات الصرف الصحي ( ) . وقد يشكل عدم أخذ الآثار الطويلة الأجل للتدهور البيئي - مثل تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث - على الأجيال القادمة في الاعتبار نوعا من التراجع غير المسموح به.

23- ويجب أن يتحقق الإعمال الكامل للحقوق المنصوص عليها في العهد ضمن الحدود الإيكولوجية للكوكب. ولا ينبغي اعتبار التدابير التي تعالج المستويات المفرطة من الإنتاج والاستهلاك - لا سيما عندما تهدد هذه الأنماط إعمال الحقوق على المدى الطويل - تدابير تنطوي على تراجع. وعلى العكس من ذلك، فإن التدابير التي تُبقي الدولة بموجبها أو تعزز أنماطا من الاستهلاك تتسبب في أضرار بيئية جسيمة، وبالتالي تقوض الإعمال العادل للحقوق بمرور الوقت، قد تشكل تراجعا.

استخدام أقصى الموارد المتاحة ( المادة 2(1))

24- يشمل مصطلح "الموارد" الوارد في المادة 2(1) من العهد الموارد البشرية والمالية والتقنية والطبيعية والثقافية والعلمية، سواء كانت من مصادر عامة أو خاصة أو محلية أو دولية ( ) . ويجب على الدول الأطراف تعبئة وتخصيص أقصى قدر من الموارد المتاحة للإعمال التدريجي للحقوق المنصوص عليها في العهد، على نحو يتوافق مع الحدود الإيكولوجية وأهداف التنمية المستدامة. ويشمل ذلك منع الضرر الناجم عن التدهور البيئي، مثل تغير المناخ والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي، وضمان احترام هذه الحقوق وحمايتها وإعمالها بشكل كامل طوال فترة الانتقال إلى اقتصاد مستدام.

25- وينبغي للدول الأطراف أن تعزز توافر الموارد من خلال اتخاذ تدابير مثل مكافحة التهرب الضريبي وتجنب الضرائب والفساد، ومن خلال تعزيز النظم الضريبية التصاعدية، مع تجنب فرض أعباء لا مبرر لها على الأفراد والجماعات المحرومة ( ) . وينبغي أن تكون السياسات المالية مستدامة، وأن تدعم انتقالا عادلا نحو اقتصادات منخفضة الكربون، وأن تحمي الأسر ذات الدخل المنخفض من ارتفاع التكاليف خلال هذا الانتقال. وبشكل عام، ينبغي للسياسات المالية أن تحفز نماذج التنمية المستدامة، وأن تُصاغ من خلال عمليات شفافة وتشاركية. وإن معالجة أوجه عدم المساواة الاقتصادية والهيكلية أمر ضروري للإعمال الكامل للحقوق المنصوص عليها في العهد ولتعزيز التنمية المستدامة. ويجب أيضا ضمان الوصول المنصف إلى الأراضي والموارد الطبيعية والبحث العلمي.

26- وتشكل الموارد الطبيعية جزءا لا يتجزأ من رفاه الإنسان، ويسهم استخدامها المستدام في إعمال الحقوق المنصوص عليها في العهد من خلال توفير المياه النظيفة، وخدمات الصرف الصحي، والهواء النقي، والغذاء، والنظم الإيكولوجية السليمة ( ) . ويجب على الدول الأطراف اعتماد نهج قائم على النظم الإيكولوجية يعزز حفظ الموارد الطبيعية واستخدامها المستدام وتقاسمها على نحو منصف، بما في ذلك إتاحة الوصول إلى الأراضي والمياه ( ) . ويجب إدارة هذه الموارد على نحو مستدام لصالح الأجيال الحالية والمقبلة، بما في ذلك من خلال تقديم حوافز للممارسات المستدامة والاستثمار في التكيف مع تغير المناخ. ويجب أيضا الاعتراف بالدور الحيوي للشعوب الأصلية والمجتمعات التقليدية في الحفاظ على التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية، كما يجب احترام سبل عيشها التقليدية وممارساتها الثقافية ورؤاها للعالم، ودعمها حيثما كانت متوافقة مع حقوق الإنسان والاستدامة ( ) .

باء- الالتزامات الأساسية

27- وتؤكد اللجنة، في تعليقها العام رقم 3(1990)، أن على الدول الأطراف التزاما أساسيا يتمثل في كفالة المستويات الأساسية الدنيا لكل حق من الحقوق المنصوص عليها في العهد. ويظل هذا الأمر ساريا في حالات النزاع أو الطوارئ أو الكوارث الطبيعية ( ) . وفي سياق التدهور البيئي والانتقال إلى اقتصادات مستدامة، يشمل ذلك الحصول على الرعاية الصحية الأساسية، والمأوى والمسكن الأساسيين، والمياه والصرف الصحي الكافيين والآمنين، والغذاء الملائم والآمن، والتعليم الذي يستوفي المعايير الدنيا. ويشمل هذا الالتزام أيضا ضمان الحصول على الخدمات العامة الأساسية، وتأمين الدخل الأساسي، بما في ذلك من خلال نظم الحماية الاجتماعية ( ) ، وضمان ظروف عمل عادلة ومواتية، بما في ذلك السلامة المهنية والحد الأدنى للأجور الذي يكفل العيش الكريم ( ) . ويجب أيضا كفالة المشاركة الثقافية والحصول على فوائد التقدم العلمي وتطبيقاته، لما لذلك من أهمية أساسية للتمتع بحقوق الإنسان ( ) .

28- وعلاوة على ذلك، يقع على عاتق الدول الأطراف التزام أساسي بحماية الظروف البيئية اللازمة لإعمال المستويات الأساسية للحقوق المنصوص عليها في العهد على المدى القصير والمتوسط والطويل، بما في ذلك حماية مصادر المياه للاستخدام المنزلي، والحد من الملوثات، والحفاظ على النظم الإيكولوجية الحيوية مثل الغابات والأراضي الرطبة. وعلى سبيل الأولوية، يجب على الدول الأطراف أن تبذل كل جهد ممكن، باستخدام جميع الموارد المتاحة، لمنع الضرر البيئي الذي يهدد إعمال المستويات الأساسية للحقوق المنصوص عليها في العهد، أو التخفيف من آثاره عندما يتعذر المنع. وفي حال وقوع الضرر، يجب على الدول الأطراف أن تكفل إتاحة سبل الانتصاف الفعالة وجبر الأضرار. ويجب أن تصمم السياسات والتدابير الرامية إلى حماية هذه الظروف البيئية الأساسية في إطار الاحترام الكامل للحقوق المنصوص عليها في العهد، بما يكفل عدم تقويض المستويات الأساسية للتمتع بها.

29- وتذكّر اللجنة بأن عدم الوفاء بالالتزامات الأساسية الدنيا لا يمكن تبريره إلا ببذل جهد واضح لاستخدام جميع الموارد المتاحة للوفاء، على سبيل الأولوية، بهذه الالتزامات الدنيا ( ) . وينبغي للدول الأطراف كذلك أن تطلب من المجتمع الدولي المساعدة في تنفيذ التزاماتها الأساسية. وعلى وجه الخصوص، يتعين على الدول الأطراف والجهات الفاعلة الأخرى القادرة على تقديم المساعدة والتعاون الدوليين تمكين البلدان ذات الموارد الأقل من الوفاء بالتزاماتها الأساسية ( ) ، وهو أمر ملح بشكل خاص في حالات الكوارث والطوارئ.

جيم- الالتزامات الدولية

الالتزامات خارج الحدود الإقليمية

30- أكدت اللجنة في السابق التزام الدول الأطراف باحترام وحماية التمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد خارج حدودها ( ) ، وتناولت باستمرار هذه الالتزامات أثناء النظر في التقارير الدورية للدول الأطراف، لا سيما فيما يتعلق بالأنشطة التجارية. وفي سياق التدهور البيئي، يتحتم على الدول الأطراف منع الأضرار المتوقعة التي قد تمس التمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد في بلدان أخرى نتيجة تغير المناخ أو التلوث أو التنمية غير المستدامة. ويشمل ذلك تنظيم الأنشطة الخاضعة لسيطرتها الفعلية التي تسهم في إحداث مثل هذا الضرر. وتتعزز هذه الالتزامات من خلال تفسير منهجي لأحكام العهد يتسق مع القانون البيئي الدولي ( ) . والالتزام بمنع إلحاق ضرر بيئي جسيم بدول أخرى هو قاعدة عرفية راسخة ( ) . وهي تتطلب من الدول أن تستخدم جميع الوسائل المتاحة لها "من أجل أن تتجنب في إقليمها، أو في أي منطقة خاضعة لولايتها، الأنشطة التي تتسبب في ضرر جسيم لبيئة دولة أخرى" ( ) . وحيثما يحدث ضرر بيئي عابر للحدود، يجب على الدول الأطراف التخفيف من آثاره على الحقوق المنصوص عليها في العهد ومعالجتها.

31- وتتحمل الدول الأطراف أيضا التزاما خارج حدودها الإقليمية يتمثل في منع أنشطة المؤسسات التجارية الخاضعة لولايتها من التسبب في ضرر بيئي يؤثر على التمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد في بلدان أخرى ( ) . وتحقيقا لهذه الغاية، يُتوقع من الدول الأطراف أن تعتمد تدابير تنظيمية وسياساتية مناسبة تكفل احترام الكيانات التجارية الموجودة في إقليمها أو الخاضعة لولايتها لحقوق الإنسان، بما في ذلك من خلال بذل العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان والبيئة في جميع عملياتها وسلاسل قيمتها. ومن المتوقع أيضا أن تنشئ الدول الأطراف آليات قضائية وغير قضائية يسهل الوصول إليها من أجل كفالة المساءلة وتوفير سبل الانتصاف من انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها المؤسسات التجارية العاملة عبر الحدود، لا سيما عندما تكون سبل الانتصاف الفعالة غير متاحة أو غير فعالة في الدولة التي يقع فيها الضرر.

32- وعندما تدعم الدول الأطراف أو تشارك في استثمارات في الخارج، ولا سيما في مشاريع واسعة النطاق، ينبغي لها أن تكفل - بما في ذلك، عند الاقتضاء، من خلال الاشتراط - خضوع هذه الاستثمارات للعناية الواجبة الفعالة في مجال حقوق الإنسان، وألا تعيق قدرة الدول المتلقية على الوفاء بالتزاماتها بموجب العهد ( ) ، بما في ذلك منع التدهور البيئي والتخفيف من حدته. وينبغي للدول الأطراف أن تتخذ تدابير، بما في ذلك من خلال الأطر التنظيمية والتعاهدية المناسبة، للحد من مخاطر إساءة استخدام المؤسسات التجارية الخاضعة لولايتها لمعاهدات الاستثمار أو آليات تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول بطرق تقوض اللوائح البيئية أو الحقوق المنصوص عليها في العهد في دول أخرى ( ) . وينبغي للدول الأطراف أيضا أن تحافظ على مجال سياساتي وطني كاف، بما في ذلك ما يتعلق باللوائح البيئية، لإعمال الحقوق المنصوص عليها في العهد عند السعي إلى تحقيق أهداف سياساتية متصلة بالأعمال التجارية مع دول أو مؤسسات تجارية، مثل ما يتم من خلال معاهدات أو عقود الاستثمار.

المساعدة والتعاون الدوليان (المادة 2(1) )

33- يتطلب التصدي للتحديات البيئية العابرة للحدود، مثل تغير المناخ والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي، التي تهدد التمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد، استجابة عالمية فعالة. ويجب على الدول الأطراف أن تتخذ، منفردة ومن خلال المساعدة والتعاون الدوليين، خطوات للتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه، ومعالجة فقدان التنوع البيولوجي والتدهور البيئي، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة.

34- وينبغي للدول الأطراف، عند تنفيذ التزامها بتقديم المساعدة والتعاون، أن تراعي المساهمات التاريخية في التدهور البيئي، وتفاوت القدرات، والاحتياجات الخاصة للبلدان النامية. وإن مبدأ المسؤوليات المشتركة وإن كانت متباينة ومراعاة قدرات كل طرف أمر ضروري للانتقال العادل والمنصف من اقتصاد قائم على الوقود الأحفوري ( ) . وتشمل مجالات التعاون ذات الأولوية التمويل المناخي، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتبادل المعلومات، ومعالجة الخسائر والأضرار، وتأمين حلول عادلة ودائمة لحالات النزوح والهجرة الناجمة عن تغير المناخ. وإن مكافحة التدفقات المالية غير المشروعة، بما في ذلك التهرب من الضرائب وتجنبها، أمر بالغ الأهمية لتعزيز قدرات الدول على اتخاذ إجراءات في مجالي البيئة والمناخ.

35- وينبغي على الدول المتقدمة أن تدعم الدول النامية ذات القدرات المحدودة في تحقيق انتقال عادل ومنصف. ويشمل ذلك توفير التمويل المناخي ونقل التكنولوجيات السليمة بيئيا ً دعما ً لجهود التخفيف والتكيف وجبر الأضرار، لا سيما بالنسبة للبلدان الأقل مسؤولية والأكثر تضررا ً ( ) . وتماشيا مع مبدأ الإنصاف، ينبغي تقديم المساعدة إلى البلدان المنخفضة الدخل ذات أعباء الديون المرتفعة في شكل منح بدلا من القروض، وذلك لتجنب تفاقم ضائقة الديون ( ) . وحيثما دعت الحاجة إلى استعادة الاستدامة وحماية الحقوق المنصوص عليها في العهد، ينبغي النظر في إعادة هيكلة الديون أو تخفيفها أو إلغائها. ويجب أن يسهم الانتقال العادل في الحد من أوجه عدم المساواة، لا في تعزيزها، سواء داخل البلدان أو فيما بينها ( ) .

36- ونظرا للدور المحوري للعلوم والتكنولوجيا في النهوض بالتنمية المستدامة والتصدي للأزمات البيئية، يجب على الدول الأطراف تيسير نقل التكنولوجيا ذات الصلة وإتاحة الوصول إلى البحوث العلمية اللازمة لإعمال الحقوق المنصوص عليها في العهد. ويجب ألا تعيق نظم الملكية الفكرية إمكانية الوصول إلى هذه التكنولوجيا ( ) . وينبغي للدول الأطراف أن تعترف بنظم المعارف المتنوعة وتدعمها، بما في ذلك المعارف والابتكارات والممارسات التقليدية للشعوب الأصلية والفلاحين والمجتمعات الريفية الأخرى، والتي تعتبر أساسية لحفظ التنوع البيولوجي والتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه ( ) .

37- ويجب أن تستند المساعدة والتعاون الدوليان إلى مبادئ الإنصاف والاحترام المتبادل والمساءلة، وأن تُصمم بطريقة تحول دون تقويض التنمية المستدامة في البلدان المتلقية ( ) . ويجب أن يوسع التمويل المخصص للعمل البيئي والمناخي الحيز المالي لدعم جهود التخفيف والتكيف وجبر الأضرار، مع تعزيز نظم الحماية الاجتماعية التي تعتبر حيوية لكفالة المستويات الدنيا الضرورية للتمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد. ويقع على عاتق الدول الأطراف التي تتلقى المساعدة التزام باستخدامها بفعالية لإعمال الحقوق المنصوص عليها في العهد، ولا سيما الالتزامات الأساسية الدنيا، مع إعطاء الأولوية للأشخاص الذين يعيشون في أوضاع هشة ( ) . ويجب على الدول الأطراف ومقدمي المساعدة الدولية كفالة تنفيذ التدابير البيئية المدعومة من خلال التعاون الدولي بمشاركة فعلية من الأفراد والمجتمعات المحلية المتضررة، وبموافقة حرة ومسبقة ومستنيرة من الشعوب الأصلية.

38- وينبغي للدول الأطراف أن تهيئ بيئة دولية مواتية للإعمال الكامل للحقوق المنصوص عليها في العهد، بما في ذلك في مجالات مثل التجارة والاستثمار والضرائب والتمويل وحماية البيئة والسياسة المناخية والتعاون الإنمائي ( ) . وينبغي للدول الأطراف أن تمارس أدوارها ومسؤولياتها في إطار الهيكل المالي الدولي، بما في ذلك في المحافل الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وفي التفاوض على معاهدات التجارة والاستثمار وتنفيذها، لضمان أن تؤدي القرارات المتخذة في هذه المجالات إلى تعزيز إعمال الحقوق المنصوص عليها في العهد ( ) .

دال- الالتزام بالمساواة وعدم التمييز (المادتان 2(2) و 3)

المساواة وعدم التمييز (المادة 2(2) )

39- في حين أن التدهور البيئي، بما في ذلك تغير المناخ، يؤثر على الجميع، إلا أن أوجه عدم المساواة المنهجية والتمييز والاستبعاد التاريخي من عمليات صنع القرار أدت إلى آثار أشد وطأة على بعض الأفراد والجماعات، وغالبا ما تؤدي إلى تفاقم أوجه عدم المساواة القائمة، استنادا إلى عوامل مثل الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والعرق، واللون، والجنس، والإعاقة، والعمر، والوضع من حيث الهجرة، والميل الجنسي، والهوية الجنسانية. ويتعرض الأفراد والجماعات الذين يعيشون في أوضاع هشة، ولا سيما أولئك الذين يواجهون أشكالا متداخلة من الحرمان، لأضرار غير متناسبة ويمتلكون موارد أقل للتعامل معها ( ) . ويجب على الدول الأطراف تحديد احتياجات الأفراد والجماعات الذين يعيشون في أوضاع هشّة أو مهمشة وإعطاءها الأولوية، مع مراعاة أشكال التداخل. ويجب عليها معالجة أوجه التمييز وعدم المساواة الهيكلية والمنهجية، وحماية هؤلاء الأفراد والمجتمعات من مخاطر انتهاكات حقوق الإنسان الناشئة عن الضرر البيئي أو عن التدابير المتخذة للتصدي له ( ) . وعند القيام بذلك، يجب على الدول الأطراف أيضا أن تراعي حقوق الأجيال القادمة في التمتع بجميع حقوق الإنسان على قدم المساواة، وأن تمتنع عن أي أفعال أو امتناعات قد تؤدي إلى التمييز ضدهم أو إدامة هذا التمييز ( ) .

40- وغالبا ما تُقام أكثر المرافق خطورة وأشدها تلوثا - بما فيها المناجم المفتوحة، والمصاهر، ومصافي النفط، والمصانع الكيميائية، ومحطات الطاقة التي تعمل بالفحم الحجري، وحقول النفط والغاز، ومصانع الصلب، ومقالب النفايات المنزلية، ومحارق النفايات الخطرة - في مجتمعات محلية محرومة ومهمشة أو بالقرب منها ( ) . ويتطلب مبدأ عدم التمييز والمساواة من الدول الأطراف معالجة الأنماط المنهجية للتهميش والمظالم البيئية، لا سيما تلك المرتبطة بأشكال التمييز المتداخلة، بما في ذلك العنصرية والموروثات الاستعمارية ( ) . ويشمل ذلك إعطاء الأولوية لتدابير التخفيف والتكيف والمعالجة وجبر الضرر واستعادة البيئة لصالح المجتمعات التي تتحمل عبئاً غير متناسب من التعرض للتلوث والتلويث السام ( ) .

41- ويجب على الدول الأطراف أن تكفل المساواة في الوصول إلى الموارد الطبيعية للشعوب الأصلية والفلاحين وسكان المجتمعات الريفية الذين يعتمدون على الطبيعة في معيشتهم وهويتهم الثقافية. ويجب على الدول الأطراف أيضا منع ومعالجة الممارسات الضارة التي تقوم بها الجهات الفاعلة في القطاع الخاص، مثل العمليات الكثيفة التلوث أو مشاريع تعويض الكربون، التي تؤثر بشكل غير متناسب على الأفراد والجماعات الذين يعيشون في أوضاع تهميش.

المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة (المادة 3)

42- إن تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في التمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد في جميع مجالات السياسة العامة شرط مسبق للتنمية المستدامة. وغالبا ما تواجه النساء والفتيات حرمانا قانونيا واجتماعيا واقتصاديا متجذرا في علاقات القوة غير المتكافئة والهياكل الأبوية. وتؤدي الأزمات البيئية إلى تفاقم أوجه عدم المساواة القائمة بين الجنسين، لا سيما في الحصول على الأراضي والموارد الطبيعية والخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والغذاء والمياه والصرف الصحي ومعالجة النفايات ( ) .

43- وتتعرض النساء والفتيات بشكل غير متناسب للآثار الضارة الناجمة عن المواد السامة والنفايات والتلوث، مع ما يترتب على ذلك من آثار خطيرة على صحتهن ورفاههن ( ) . وبالنسبة للنساء في المناطق الريفية، يعد الحصول الآمن على الأراضي موردا بالغ الأهمية من أجل العيش، والحصول على السلع والخدمات الأساسية، والحماية من العنف ( ) . ويجب على الدول الأطراف، عند التصدي للأزمات البيئية والوفاء بالتزامها بكفالة المساواة الفعلية، أن تضمن حصول النساء على الأراضي، وتمتعهن بالسيطرة عليها، وتأمين حيازتهن لها، إضافة إلى سائر الوسائل اللازمة لتحقيق الأمن الغذائي وسبل العيش ( ) .

44- وتتفاقم أوجه عدم المساواة بين الجنسين بسبب العبء غير المتكافئ للأعمال المنزلية وأعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر الذي يقع على عاتق المرأة، ويزداد هذا العبء حدة بفعل تغير المناخ – على سبيل المثال، زيادة الوقت والجهد اللازمين للحصول على المياه، أو تغيّر أنماط العمل نتيجة ارتفاع درجات الحرارة ( ) . وينبغي للدول الأطراف الاعتراف بأعمال الرعاية والدعم غير المدفوعة الأجر والحد منها وإعادة توزيعها من خلال ضمان وجود نظم رعاية ودعم قائمة على الحقوق يسهل الوصول إليها، ومن خلال تعزيز التقاسم العادل للمسؤوليات بين الرجل والمرأة، وبين الدولة والأسر والمجتمعات المحلية والقطاع الخاص ( ) .

45- وينبغي للدول الأطراف أن تدمج نهجا يراعي المنظور الجنساني ويشمل الحكومة بأسرها في جميع سياسات التنمية المستدامة، لا سيما فيما يتعلق بالحد من مخاطر الكوارث، وتغير المناخ، والتلوث، وحماية التنوع البيولوجي، وإدارة الموارد الطبيعية ( ) . ويشمل ذلك استراتيجيات التمويل والميزنة المراعية للمنظور الجنساني. وفي سياق الكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ المتصلة بالمناخ، يجب على الدول الأطراف أن تكفل حصول المرأة على قدم المساواة مع الرجل على الموارد ووسائل الحماية، بما في ذلك الإنذارات في الوقت المناسب وغيرها من المعلومات ذات الصلة. وتتحمل الدول الأطراف أيضا واجبا يتمثل في كفالة حصول النساء على معلومات وتعليم بيئيين دقيقين وميسوري التكلفة وملائمين ثقافيا ( ) . وينبغي أن تسترشد هذه الجهود بتقييمات الأثر التي تدرس الآثار المتباينة لتغير المناخ والتدهور البيئي على النساء والفتيات.

رابعا ً - التزامات الدول الأطراف فيما يتعلق بحقوق محددة

الحق في تقرير المصير (المادة 1) والحق في حرية استخدام الموارد الطبيعية (المادة 25)

46- تؤكد المادتان 1(2) و 25 من العهد على حق الشعوب في السعي بحرية وراء تحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتصرف في ثرواتها ومواردها الطبيعية، باعتبار ذلك جانبا جوهريا من حقها في تقرير المصير. ويستتبع هذا الحق أن الشعوب هي المستفيدة الأولى من استغلال مواردها الطبيعية. ويجب على كل دولة طرف أن تكفل تنظيم هذا الاستغلال، سواء قامت به جهات وطنية أم أجنبية، تنظيما كافيا يضمن تقاسم المنافع بشكل عادل ومنصف، وبما يسهم في تعزيز الحقوق المنصوص عليها في العهد ( ) . وتحتفظ كل دولة طرف، في سعيها إلى تحقيق التنمية العادلة والتنمية المستدامة، بحيز السياسات الأنسب لسياقها الخاص، لتحديد المزيج الملائم من التدابير الاقتصادية والاجتماعية، شريطة أن تكون هذه التدابير متسقة مع التزاماتها بموجب العهد. وينبغي تصميم نظم الضرائب والإعانات والتراخيص المتعلقة باستخراج الموارد بطريقة تعبئ الموارد بفعالية من أجل إعمال الحقوق المنصوص عليها في العهد، مع تقليل الضرر البيئي إلى أدنى حد ممكن ( ) . وينبغي أن تتجنب العقود المبرمة مع الكيانات التجارية لاستخراج الموارد الطبيعية خصخصة الثروات الطبيعية، وأن تكفل التقاسم العادل والمنصف للمنافع، وفقا للمادة 1 من العهد.

47- ويجب على الدول الأطراف أن تتمسك بالضمانات الإجرائية في جميع عمليات صنع القرار المتعلقة باستغلال الموارد الطبيعية، بما في ذلك كفالة المشاركة العامة الهادفة، وإتاحة المعلومات في الوقت المناسب وبشكل مفهوم، والالتزام بمبادئ حقوق الإنسان في جميع مراحل عمليات الترخيص ومنح الامتيازات ( ) . وحيثما تتأثر الشعوب الأصلية، يجب احترام وحماية حقها في الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة بشكل كامل ( ) . ويجب أن يسبق إصدار التراخيص أو التصاريح إجراءُ تقييمات مستقلة وتشاركية لتأثيرات المشروع على البيئة وحقوق الإنسان، بهدف تحديد الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالحقوق المنصوص عليها في العهد والنظم الإيكولوجية المحلية ( ) . وينبغي أن تسترشد عملية صنع القرار بهذه التقييمات، وأن تكون مصحوبة بآليات فعالة لجبر الضرر، لا سيما بالنسبة للمجتمعات المتضررة والفلاحين والشعوب الأصلية ( ) .

48- ويجب أن تمارس الدول الأطراف حقها في التصرف في الموارد الطبيعية وفقا لمبادئ الاستدامة والإنصاف بين الأجيال وحظر الضرر البيئي العابر للحدود ( ) . ويؤدي الاستغلال المفرط إلى تقويض التمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد، والتي تعتمد على بيئة سليمة. وحيثما تتأثر المجتمعات المحلية بشكل مباشر بالأنشطة الاستخراجية، ينبغي للدول الأطراف أن تكفل اتخاذ تدابير للتخفيف، وتقديم تعويض عادل، وضمان المساءلة، بما في ذلك مطالبة الملوثين، بما في ذلك الكيانات التجارية، بتحمل تكاليف الضرر وإعادة التأهيل البيئي ( ) .

الحق في العمل (المادة 6 )

49- تشكل التغيرات في الظروف البيئية مخاطر متزايدة على فرص العمل والدخل، لا سيما في القطاعات الحساسة للمناخ مثل الزراعة ومصايد الأسماك. وفي حين أن الانتقال إلى اقتصادات مستدامة بيئيا يمكن أن يولد فرص عمل لائقة جديدة، إلا أنه قد يؤدي أيضا إلى فقدان الوظائف في القطاعات المعتمدة على الوقود الأحفوري ( ) . وينبغي للدول الأطراف أن تقيّم، بطريقة تشاركية، آثار كل من التدهور البيئي والتدابير السياساتية المتخذة للتصدي له على فرص العمل في جميع القطاعات، بما يتماشى مع التزاماتها في مجال حقوق الإنسان.

50- واستناداً إلى هذه التقييمات، ينبغي للدول الأطراف صياغة وتنفيذ سياسات لتوسيع فرص العمل اللائق أثناء الانتقال إلى اقتصادات مستدامة، مع إيلاء اهتمام خاص للشباب والنساء والأشخاص الذين يعيشون في أوضاع هشة أو مهمشة ( ) . وينبغي أن تكفل التدابير حصول العمال في القطاعات المتأثرة بالانتقال على التدريب المهني، والإرشاد الوظيفي، وإعادة التأهيل المهاري، وغير ذلك من أشكال الدعم التي تيسر انتقالهم إلى وظائف خضراء. وينبغي أيضا تعزيز توليد فرص العمل، بما في ذلك من خلال توسيع نطاق الخدمات العامة ومن خلال مبادرات استعادة النظم الإيكولوجية ( ) . وينبغي للدول الأطراف أن تعترف بالعاملين في الاقتصاد غير الرسمي الذين يسهمون في تعزيز القدرة على الصمود في مواجهة المناخ وفي بناء اقتصاد دائري، وأن تدعمهم، وأن تتخذ تدابير لتيسير انتقالهم إلى العمالة الرسمية.

الحق في ظروف عمل عادلة ومواتية ( المادة 7)

51- تؤدي التغيرات البيئية السريعة إلى زيادة المخاطر التي تهدد ظروف العمل وتفاقم المخاطر القائمة، لا سيما من خلال الظواهر الجوية القصوى وارتفاع درجات الحرارة التي تعرض صحة العمال وسلامتهم للخطر. وينبغي على الدول الأطراف تقييم هذه المخاطر في جميع القطاعات، واعتماد تدابير وقائية وحمائية تكفل ظروف عمل عادلة ومواتية، بما في ذلك في الاقتصاد غير الرسمي. ويشمل ذلك التصدي للآثار التي تطال الصحة البدنية والعقلية، وضمان الحصول على خدمات الدعم، وحماية ظروف العمل في القطاعات الخضراء الناشئة مثل الطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري، واستعادة النظم الإيكولوجية.

52- وينبغي للدول الأطراف أن ترصد أماكن العمل وتنظمها بفعالية من أجل التصدي للمخاطر المناخية التي تهدد الصحة والسلامة، بما في ذلك من خلال نظم تفتيش عمالية قوية، وينبغي أن تبذل هذه الجهود من خلال حوار هادف مع العمال وممثليهم. وينبغي أن تلزم الأطر التنظيمية كيانات الأعمال التجارية بحماية صحة العمال وسلامتهم ( ) ، وبدمج العمل اللائق والمنتج في استراتيجياتها المناخية والبيئية وفي عمليات العناية الواجبة التي تجريها ( ) . وينبغي أن تشمل السياسات ضمانات، وأن تتماشى مع المعايير المعترف بها دوليا، مثل معايير العمل الأساسية لمنظمة العمل الدولية والأطر ذات الصلة بالسلوك المسؤول للأعمال التجارية والاستثمار.

الحق في تكوين النقابات والانضمام إليها (المادة 8 )

53- تؤدي النقابات العمالية وإجراءاتها الجماعية دورا مهما في الدعوة إلى ظروف عمل عادلة ومواتية وحماية العمال من آثار التغير البيئي والتدابير ذات الصلة. ويجب أن تكفل الدول الأطراف أن تكون النقابات العمالية ومجالس العمال قادرة على المشاركة الفعالة - من خلال الحوار الاجتماعي وآليات أخرى - في تقييم المخاطر التي تهدد ظروف العمل، وفي تصميم السياسات الرامية إلى معالجتها على المستويات الوطنية والقطاعية وفي أماكن العمل.

54- ويمكن أن يشكل التفاوض الجماعي آلية فعالة لدمج الشواغل البيئية والمتعلقة بالمناخ في اتفاقات أماكن العمل، بما في ذلك الأحكام التي تكفل حصول العمال على المعلومات البيئية ذات الصلة، وحقهم في رفض العمل الذي ينطوي على مخاطر بيئية جسيمة أو ينتهك التشريعات البيئية، وحماية المبلغين عن الأضرار البيئية، والسلامة والصحة المهنيتين، ومزايا النقل المستدام، والتدريب على الانتقال العادل، والحماية أثناء الكوارث المرتبطة بالمناخ، ودعم ممارسات الشراء الخضراء.

الحق في الضمان الاجتماعي (المادة 9 )

55- إن الحصول على الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية أمر ضروري للحد من الهشاشة وعدم المساواة، ولتعزيز قدرة الأفراد على الصمود في مواجهة المخاطر البيئية. ويجب على الدول الأطراف كفالة أن تكون نظم الحماية الاجتماعية مهيأة بما يكفي للتصدي لآثار الأحوال الجوية القاسية والكوارث المرتبطة بالمناخ وحالات النزوح القسري. ويشمل ذلك إدماج المخاطر المناخية والبيئية، إلى جانب مخاطر دورة الحياة، في نظم الحماية الاجتماعية، وربط هذه النظم بتقييمات الهشاشة ( ) . ويتطلب التأهّب الفعال وتقديم الدعم تحديدا مبكرا للأفراد والجماعات الذين يحتاجون إلى المساعدة، مثل كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة أو أولئك الذين يواجهون فقدان سبل العيش، لتمكينهم من التأهب للصدمات المرتبطة بالمناخ والتعافي منها والتكيف معها. وينبغي أن تكون الحماية الاجتماعية بمثابة جسر يربط بين الاستجابات الإنسانية الفورية والتنمية المستدامة على المدى الطويل ( ) .

56- ويؤدي نظام الحماية الاجتماعية المصمم جيدا دورا حيويا في حماية الأفراد من الآثار الضارة للسياسات البيئية وفي تيسير الانتقال إلى الوظائف الخضراء وسبل العيش المستدامة. وكالتزام أساسي بموجب العهد، يجب على الدول الأطراف أن تكفل حصول الجميع على المستويات الأساسية للحماية الاجتماعية، بما في ذلك الحصول على الرعاية الصحية الأساسية، وتأمين دخل أساسي للأطفال، وللأشخاص الذين هم في سن العمل غير القادرين على كسب دخل كاف لأسباب مثل المرض أو البطالة أو الأمومة أو الإعاقة، وكذلك لكبار السن ( ) . ويجب أن تكون هذه الحماية كافية لتمكين الأفراد والأسر من تلبية احتياجاتهم الأساسية، بما في ذلك السكن الملائم والمياه والصرف الصحي والتعليم، وعند الاقتضاء، التكاليف المتعلقة بالإعاقة. وعلاوة على ذلك، ينبغي للدول الأطراف أن تتخذ خطوات مدروسة ومحددة الهدف لإعمال الحق في الضمان الاجتماعي تدريجيا، مع إيلاء اهتمام خاص لأولئك الذين لا يزالون خارج نطاق الحماية، بمن فيهم النساء، والعمال في علاقات عمل غير مستقرة، والعاملون في الاقتصاد غير الرسمي.

57- ويجب على الدول الأطراف كفالة أن تكون نظم الضمان الاجتماعي ممولة تمويلا كافيا، وقادرة على مواجهة الصدمات المستقبلية، ومصممة لتلبية الاحتياجات الطويلة الأجل، باستخدام أقصى قدر من الموارد المتاحة. وحيثما تكون الموارد والقدرات الوطنية غير كافية لضمان وجود نظم حماية اجتماعية مستدامة، يجب على الدول الأطراف أن تطلب المساعدة والتعاون الدوليين.

الحق في مستوى معيشي لائق (المادة 11 )

58- يتطلب الحق في مستوى معيشي لائق من الدول الأطراف كفالة حصول كل فرد على السلع والخدمات اللازمة لمستوى معيشي لائق، بما في ذلك الغذاء الكافي والمياه والصرف الصحي والملبس والمسكن والكهرباء والنقل والاتصالات ( ) . ويجب فهم الإشارة الواردة في المادة 11 من العهد إلى "التحسين المستمر لظروف المعيشة" في ضوء الحدود البيئية للكوكب. وينبغي للدول الأطراف تعزيز التحولات في مجالات مثل الغذاء والمياه والإسكان ونظم النقل لضمان الاستدامة والقدرة على الصمود في مواجهة التغيرات البيئية.

59- ويتطلب الحق في الحصول على غذاء كاف توفير إمكانية الحصول، على المدى الطويل، على غذاء كاف ومغذ ومناسب ثقافيا، من خلال الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية مثل التربة والمياه والبذور والتنوع البيولوجي والزراعة والغابات، لا سيما في المناطق الريفية، وبدرجة متزايدة في البيئات الحضرية. ويجب على الدول الأطراف أن تعزز تحول النظم الغذائية بما يتفق مع ا لتزاماتها في مجال حقوق الإنسان - بما يكفل استمرارية الإنتاج والتوزيع على المدى الطويل، ويزيد القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ ، ويحدّ من التلوث، ويصون التنوع البيولوجي من خلال الحفاظ عليه واستخدامه على نحو مستدام ( ) .

60- وتتطلب المادة 11(2)(أ) من العهد من الدول الأطراف تطوير وإصلاح النظم الزراعية "من أجل تحقيق تنمية الموارد الطبيعية واستخدامها بأكثر السبل كفاءة". يجب أن تُفهم الكفاءة على أنها تشمل الاستدامة - أي الحفاظ على قدرة الموارد الطبيعية على المدى الطويل - دعما للتمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد. ويشمل ذلك اتخاذ تدابير لاحترام وحماية وإعمال أمن الحيازة لجميع حقوق الحيازة المشروعة للأراضي ومصايد الأسماك والغابات، لا سيما للأفراد والمجتمعات والشعوب التي تعيش في أوضاع هشة أو مهمشة ( ) . ويتطلب الانتقال إلى نظم غذائية مستدامة تخطيطا يتسق مع الحق في الغذاء الكافي، بما في ذلك التخطيط المكاني الذي يعطي الأولوية للأفراد والجماعات الذين يعيشون في أوضاع حرمان أو تهميش، مثل صغار المزارعين ( ) . ويجب تغيير السياسات والإعانات الزراعية الحالية التي تدعم الاستخدام غير المستدام للأراضي وتستنزف الموارد الطبيعية، وذلك لتهيئة نظم غذائية تكفل مستوى معيشيا لائقا للأجيال الحالية والمقبلة.

61- ويمكن أن تسهم النظم الغذائية الصناعية - بما في ذلك الإنتاج والنقل والمعالجة والتعبئة والتغليف والتخزين والبيع بالتجزئة والاستهلاك والتخلص من النفايات - إسهاما كبيرا في تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور التربة والمياه ( ) . ويستلزم ضمان الحق في الغذاء تعزيز الممارسات الزراعية المستدامة، بما في ذلك، عند الاقتضاء، اعتماد النهج الزراعية الإيكولوجية، للحد من انبعاثات الكربون، والاستخدام المفرط للمضادات الحيوية، والاعتماد على النماذج الصناعية المكثفة. وتساعد هذه الممارسات أيضا في الوقاية من الأمراض الحيوانية المصدر وأمراض المحاصيل من خلال تعزيز التنوع البيولوجي والحد من الممارسات الضارة مثل زراعة محصول واحد على نطاق واسع والاستخدام المفرط للمبيدات.

62- وترتبط محدودية الوصول إلى المياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي ارتباطا وثيقا بالفقر وعدم المساواة، وتتفاقم بسبب تلوث المياه وندرتها وتدهور النظم الإيكولوجية للمياه العذبة وتغير المناخ ( ) . ويجب على الدول الأطراف إعطاء الأولوية للمياه المخصصة للاستخدام الشخصي والمنزلي والزراعة الكفافية الصغيرة النطاق، وأن تكفل، كجزء من التزاماتها الأساسية، حصول الجميع على المياه المأمونة والكافية وخدمات الصرف الصحي الملائمة، لا سيما لأولئك الذين يعيشون في أسر معيشية منخفضة الدخل وفي أوضاع حرمان أو تهميش أخرى ( ) .

63- وتحقيقا لهذه الغاية، ينبغي للدول الأطراف أن تعتمد استراتيجيات متكاملة تكفل الحق في المياه للأجيال الحالية والمقبلة ( ) ، بما في ذلك اتخاذ تدابير فعالة لمنع تلوث المياه، والحد من الاستخدام غير المستدام أو غير الفعال، ومعالجة خسائر التوزيع. ويُطلب من الدول الأطراف أيضا سنّ وإنفاذ أطر تنظيمية لمنع الشركات والجهات الفاعلة الأخرى من تلويث النظم الإيكولوجية للمياه العذبة أو الإفراط في استخراجها أو تدهورها. ويجب تصميم البنية التحتية للمياه والصرف الصحي وبناؤها وصيانتها لتكون قادرة على الصمود في مواجهة آثار الطقس القاسي والكوارث الطبيعية ( ) .

64- وبما أن جزءا كبيرا من موارد المياه العذبة في العالم يقع في طبقات المياه الجوفية وأحواض الأنهار العابرة للحدود، فإن الإعمال الفعال للحق في المياه والصرف الصحي يتطلب تعاونا دوليا ( ) ، بما في ذلك فيما يتعلق بنوعية المياه، والتوزيع المنصف، وإدارة الفيضانات، والتكيف مع تغير المناخ، والإدارة المستدامة لموارد المياه المشتركة.

65- ويجب على الدول الأطراف اتخاذ تدابير تكيف في الوقت المناسب لضمان قدرة المساكن على الصمود في وجه التأثيرات المناخية، مثل العزل الحراري، والتدفئة والتبريد الفعالين. ويجب على الدول الأطراف أيضا أن تعتمد تدابير تخفيف للحد من الانبعاثات المرتبطة بالسكن، مثل تشجيع استخدام المواد المستدامة، وتعزيز الكفاءة في استخدام الطاقة، ودعم استخدام الطاقة المتجددة لأغراض الطهي والتدفئة والتبريد والإضاءة ( ) . ويجب ألا تؤدي تدابير التكيف والتخفيف إلى تقويض الحق في السكن اللائق، لا سيما بالنسبة لسكان المستوطنات العشوائية والأشخاص الذين يعيشون في أوضاع حرمان أو تهميش، وذلك من خلال زيادة تكاليف السكن أو فقر الطاقة أو التشرد، أو من خلال تعزيز أوجه عدم المساواة القائمة مسبقا.

66- ويجب أن يعالج التخطيط الحضري والريفي الملائم، على الصعيدين الوطني والمحلي، مخاطر تغير المناخ، والتأهب للكوارث، والتلوث، وإمكانية الحصول على المياه وإدارة النفايات، وتوفير وسائل النقل العام الميسورة التكلفة، والرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية، وفرص توليد الدخل ( ) . وينبغي أن يتضمن التخطيط أيضا قوانين بناء تحقق صافي انبعاثات صفري، ومساحات خضراء، وتدابير للتخفيف من تأثير الجزر الحرارية الحضرية. ويجب أن تعزز معايير البناء القدرة على الصمود في وجه تغير المناخ وأن تسهم في خفض الانبعاثات.

الحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية (المادة 12 )

67- يتطلب الحق في الصحة من الدول الأطراف أن تكفل الحصول على رعاية صحية جيدة ومقبولة وميسورة التكلفة وفي الوقت المناسب، وأن توفر المقومات الأساسية للصحة ( ) . ويجب أن تحول القوانين والسياسات دون تلوث الهواء والمياه والتربة وأن تقلل منه، بما في ذلك التلوث بالمعادن الثقيلة ( ) .

68- وينطوي التدهور البيئي وتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي على مخاطر صحية جسيمة، مع آثار غير متناسبة وغير متكافئة داخل الدول وفيما بينها. وينبغي للدول الأطراف أن تتخذ تدابير محددة لحماية وإعمال الحق في الصحة لصالح الأشخاص الأكثر تأثرا بالأضرار البيئية. وتشكل المساعدة والتعاون الدوليان أمرين أساسيين للتصدي للمخاطر الصحية العابرة للحدود المرتبطة بالتدهور البيئي.

69- ويجب أن تعالج السياسات والبرامج الصحية الآثار الصحية البدنية والعقلية للتدهور البيئي، بما في ذلك من خلال بناء نظم صحية مستدامة وقادرة على الصمود ويسهل الوصول إليها. وينبغي إيلاء أيضا الاهتمام لضمان تقديم خدمات رعاية صحية ملائمة ثقافيا للجميع، بما في ذلك الشعوب الأصلية، وحماية الممارسات والموارد الخاصة بالطب التقليدي. وإن التعاون بين القطاعات أمر بالغ الأهمية للتصدي للطابع المترابط لصحة الإنسان والحيوان والبيئة، ولتعزيز صحة الكوكب التي تعتمد عليها صحة الإنسان في نهاية المطاف. وينبغي كفالة المشاركة الفعالة لمنظمات المجتمع المدني وممثلي الفئات المحرومة أو المهمشة في جميع مراحل التخطيط الصحي من أجل تعزيز نتائج أكثر شمولا.

70- ويجب أن تراعي عملية وضع السياسات الصحية وتخصيص الموارد التحديات الصحية الطويلة الأجل الناشئة عن الأزمات البيئية. ويجب على الدول الأطراف تصميم وتنفيذ وتعهد نظم وخدمات صحية قادرة على الصمود في وجه الصدمات البيئية وما يرتبط بها من آثار اقتصادية واجتماعية. ويشكل الاستثمار العام المستدام أمرا أساسيا، سواء في المقومات الأساسية للصحة أو في تعزيز النظام الصحي نفسه، بما في ذلك من خلال تدريب عدد كاف من العاملين في مجال الرعاية الصحية وتوظيفهم والاحتفاظ بهم، وحماية حقوقهم العمالية.

الحق في التعليم (المادتان 13 و 14 )

71- يتعرض الحصول على التعليم والبنية التحتية التعليمية ونتائج التعلم لتأثير متزايد جراء التدهور البيئي. وتؤثر الأحوال الجوية القاسية، وارتفاع مستوى سطح البحر، والفيضانات، والحرارة أو البرودة الشديدتان، وندرة المياه، والنزوح تأثيرا بالغا على التعليم المدرسي ورفاه الطلاب وجودة التعليم واستمراريته. وتتطلب هذه التحديات التكيف بما يتسق مع الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان، بما في ذلك البنية التحتية القادرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ، والتخطيط الشامل، والتأهب للكوارث. وينبغي للدول الأطراف كفالة توفير تعليم عالي الجودة ومستمر للأطفال النازحين، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في المستوطنات العشوائية، وضمان أن تكون المرافق المدرسية آمنة وملائمة ويسهل الوصول إليها، مع توفير طرق وصول آمنة ومرافق مياه وصرف صحي موثوقة.

72- ويشكل التعليم بشأن التنمية المستدامة وحقوق الإنسان وحماية البيئة عنصرا أساسيا من عناصر التعليم الجيد والتعلم مدى الحياة. وينبغي للدول الأطراف أن تدمج التثقيف البيئي والمناخي، بما في ذلك حماية التنوع البيولوجي، في جميع مستويات التعليم، وربطه بحقوق الإنسان والعدالة البيئية. وينبغي ترسيخ القيم البيئية في المناهج الدراسية، وفي تدريب المعلمين وأساليب التدريس والبيئات المدرسية. ويجب أن يكون المتعلمون من جميع الأعمار قادرين على اكتساب المعارف والمهارات والقدرة على المبادرة اللازمة للتصدي للتحديات العالمية، واتخاذ إجراءات مستنيرة لحماية البيئة وتعزيز الاستدامة.

الحق في المشاركة في الحياة الثقافية والتمتع بفوائد التقدم العلمي (المادة 15 )

73- تسهم الثقافة في تشكيل طريقة ارتباط الأفراد والمجتمعات بالطبيعة وكيفية ممارستهم لحياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتعكس ذلك كله ( ) . وتتطلب الحقوق الثقافية من الدول الأطراف احترام وحماية وتعزيز مختلف أشكال التعبير عن الثقافة والممارسات والنظم المعرفية الثقافية المتنوعة. ويعد انفصال الناس عن الطبيعة وهيمنة مجموعات معينة من الناس على الطبيعة وعلى مجموعات أخرى من الناس من بين الأسباب الكامنة وراء فقدان التنوع البيولوجي والتدهور البيئي المرتبط به ( ) . ولذلك، فإن الحقوق الثقافية ضرورية للتنمية المستدامة. وقد طورت الشعوب الأصلية والفلاحون والمجتمعات المحلية في كثير من الأحيان ممارسات ثقافية ونظما معرفية تدعم رفاه الإنسان والرفاه الإيكولوجي معا ( ) . ويجب على الدول الأطراف إدماج الحقوق الثقافية في استراتيجيات التنمية، وتعزيز الحوار بين الثقافات وتبادل المعارف للتصدي للأسباب الجذرية لتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث وآثارها.

74- ويتعرض التراث الثقافي لتهديد متزايد بفعل تغير المناخ. وتلحق الفيضانات وارتفاع مستوى سطح البحر وتآكل السواحل وحرائق الغابات والأحوال الجوية القاسية أضرارا بالتراث المادي وغير المادي على السواء. ويتطلب التمتع المستدام بالحقوق الثقافية أن تراعي الدول الأطراف الاحتياجات الطويلة الأجل عند تقديم الدعم للفنانين والمؤسسات الثقافية والهيئات العلمية. وينبغي دعم الأفراد والمجتمعات في حماية المواقع والتقاليد والممارسات الثقافية في مواجهة التغيرات البيئية.

75- ويستلزم الحق في العلم إتاحة الحصول على التعليم والمعرفة العلمية، والتقاسم العادل لفوائد التقدم العلمي، والالتزام بتشجيع البحوث التي تتناول الاحتياجات ذات الأولوية، لا سيما بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون في أوضاع هشة ومهمشة ( ) . وبالنظر إلى الدور الحاسم للعلوم والتكنولوجيا في التصدي للأزمات البيئية ودعم التحول المستدام في أنماط الإنتاج والاستهلاك، يجب على الدول الأطراف اعتماد سياسات بيئية قائمة على الأدلة، وضمان إتاحة المعلومات البيئية للجمهور، والحماية من المعلومات المضللة، لا سيما فيما يتعلق بتغير المناخ، وتعزيز الوصول المنصف إلى فوائد التقدم العلمي ( ) . وتماشياً مع المبدأ الوقائي، يجب على الدول الأطراف تنظيم استخدام التكنولوجيات المتصلة بالمناخ التي لم يثبت بعد نجاعة استخدامها. ويشكل التعاون الدولي أمرا أساسيا لتقاسم المعارف العلمية على نحو منصف ولنقل التكنولوجيات السليمة بيئيا.

خامسا ً - الأفراد والجماعات الذين يعيشون في أوضاع هشة بوجه خاص

76- يزيد التدهور البيئي، بما في ذلك تغير المناخ، من هشاشة الأفراد والجماعات الذين عانوا تاريخيا، أو لا يزالون يعانون، من التهميش. وتتشكل هذه الهشاشة بفعل عوامل متداخلة مثل الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والعرق، والأصل الإثني، والجنس، والإعاقة، والعمر، والوضع من حيث الهجرة، والميل الجنسي، والهوية الجنسانية ( ) . وتختلف آثار الضرر البيئي داخل المجموعات وفيما بينها، تبعا للسياق. وتشتد المخاطر على وجه الخصوص بالنسبة لأولئك الذين يتعرضون لأشكال متعددة ومتداخلة من التمييز، إذ تفاقم هذه الأشكال المتداخلة آثار الضرر البيئي وتزيد من تقييد فرصهم في الحصول على سبل الانتصاف والموارد وتدابير بناء القدرة على الصمود.

77- ويجب على الدول الأطراف تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، ومعالجة أوجه عدم المساواة الهيكلية التي تزيد من تعرضهم للضرر البيئي، وحمايتهم من مخاطر انتهاكات حقوق الإنسان الناشئة عن التدهور البيئي أو عن التدابير المتخذة للتصدي له. من الضروري كفالة المشاركة الفعالة للأفراد والجماعات المتضررين في جميع مراحل صنع القرار. وفي حين أن الآثار الضارة للتدهور البيئي يمكن أن تطال الكثيرين، إلا أن هذا الفرع يركز على الأطفال، وعلى الشعوب الأصلية والفلاحين والرعاة والصيادين الذين ترتبط سبل عيشهم وثقافاتهم بالطبيعة ارتباطا وثيقا، وكذلك على النازحين.

الأطفال

78- يؤثر تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث بشكل كبير على حقوق الأطفال ورفاههم. والأطفال الأصغر سنا معرضون بشكل خاص للأضرار البيئية الناجمة عن التلوث والمواد الكيميائية السامة، والتي يمكن أن يكون لها آثار طويلة الأجل على صحتهم ونموهم ( ) . وتزيد حالة انعدام الأمن الغذائي والمائي، التي تتفاقم بفعل التدهور البيئي، من مخاطر سوء التغذية الحاد والمزمن والأمراض ( ) . ويمكن أن يؤدي فقدان سبل العيش الأسرية، خاصة في القطاعات غير الرسمية، إلى زيادة معدل عمالة الأطفال وتعميق الفقر، وقد تؤدي الضغوطات البيئية والكوارث المرتبطة بالمناخ إلى تعطيل التعليم وزيادة معدلات التسرب من المدارس، والتأثير على الصحة النفسية، وزيادة التعرض للعنف والاستغلال وزواج الأطفال ( ) . وغالبا ما يتأثر الأطفال الذين يعيشون في أوضاع هشة، بما في ذلك أولئك الذين يعيشون في فقر أو نزوح أو إقصاء اجتماعي، بشكل غير متناسب. وتدرك اللجنة أيضا أن الأطفال في جميع أنحاء العالم هم في طليعة العاملين في مجال البيئة، ويلفتون الانتباه إلى عواقب التدهور البيئي على حقوق الإنسان ( ) .

79- ويجب على الدول الأطراف أن تعتمد تدابير بيئية تراعي احتياجات الأطفال، وتحقق مصالحهم الفضلى ( ) ، وتستند إلى العلم والمعايير الدولية. ويجب توفير الحماية الكافية للأطفال من المواد السامة والتلوث والأضرار البيئية الأخرى، بما يتماشى مع حقهم في التمتع بأعلى مستوى صحي يمكن بلوغه. ويجب أن تراعي تقييمات المخاطر الطويلة الأجل الآثار المحددة للتدهور البيئي على الأطفال. ويجب احترام حق الأطفال في الاستماع إليهم وفي المشاركة في جميع العمليات ذات الصلة. وينبغي للدول الأطراف أيضا الاعتراف بالأطفال المدافعين عن الحقوق وحمايتهم، وإنشاء آليات آمنة وفعالة لمشاركتهم في العمل البيئي والمناخي ( ) .

الشعوب الأصلية

80- الشعوب الأصلية هي من بين أكثر الفئات تضررا من تغير المناخ وإزالة الغابات والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي، لا سيما فيما يتعلق بسبل عيشها وصحتها وهويتها الثقافية. ويمكن أن يؤدي الضرر البيئي إلى فقدان التراث الثقافي المادي وغير المادي على حد سواء، مما يفضي إلى تآكل عميق للهوية والمعارف التقليدية والممارسات الثقافية والارتباط بأوطان وأراضي الأجداد ( ) .

81- ويشكل الارتباط العميق بين الشعوب الأصلية وأراضي أجدادها أساس هويتها الثقافية والروحية والاجتماعية، وهو ما يوفر لها احتياجاتها الأساسية وسبل عيشها. ومن خلال هذا الارتباط، طورت في العديد من السياقات نظما للمعرفة والحكم والرعاية تعزز العيش في وئام مع الطبيعة وتسهم في حفظ التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية. وهذه المساهمات ضرورية لتحقيق التنمية المستدامة وحماية البيئة.

82- ويجب على الدول الأطراف أن تعترف بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعوب الأصلية في أراضي وأقاليم أجدادها ومواردها الطبيعية، ويجب أن تحترم احتراما كاملا حقها في الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة في جميع المسائل التي تمس حقوقها ( ) . وفي إطار العناية الواجبة بحقوق الإنسان، يجب على الدول الأطراف كفالة ألا تؤدي التدابير البيئية - بما في ذلك تلك المتعلقة بالتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه، والتعويضات المتعلقة بالتنوع البيولوجي - إلى الاستيلاء على الأراضي أو الغابات أو المياه في أراضي الشعوب الأصلية، أو تقويض حقوق الشعوب الأصلية بأي شكل من الأشكال.

الفلاحون والرعاة وصيادو الأسماك وغيرهم من الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الريفية

83- يتأثر الفلاحون والرعاة وغيرهم من الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الريفية، بما في ذلك صغار المزارعين وصيادي الأسماك، تأثرا شديدا بتغير المناخ والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي. وتؤدي هذه الأزمات البيئية إلى تغيير توافر المياه وأنماط الغطاء النباتي والدورات الموسمية، وتتسبب في ارتفاع مستوى سطح البحر والتصحر وتغير استخدام الأراضي، مما يعطل الزراعة وصيد الأسماك وسبل العيش التقليدية. وتؤدي الظواهر الجوية القاسية والتدهور البيئي إلى الحد من التنوع البيولوجي، وتقويض نظم البذور والتربية التقليدية، واستنزاف الموارد المائية من خلال الاحتباس الحراري والتلوث. وتهدد هذه الآثار مجتمعة حق المجتمعات الريفية في الغذاء، وفي مستوى معيشي لائق، وفي هويتها الثقافية. ويجب على الدول الأطراف حمايتها من هذه الآثار الضارة.

84- واعترافا بالمساهمة الحاسمة للفلاحين والرعاة وغيرهم من سكان المناطق الريفية في الاستخدام والإدارة المستدامين للموارد الطبيعية والنظم الإيكولوجية، يجب على الدول الأطراف حماية وتعزيز معارفهم وابتكاراتهم وممارساتهم التقليدية ( ) ، وضمان حقوقهم في الحيازة الآمنة، وفي الوصول المنصف إلى الأراضي وغيرها من الموارد الطبيعية التي تشكل مقوما أساسيا لسبل عيشهم ( ) . ويجب على الدول الأطراف أيضا كفالة مشاركتهم الفاعلة في تصميم وتنفيذ ورصد التدابير البيئية.

85- وهناك حاجة إلى اتخاذ تدابير خاصة للفئات الأكثر تهميشا في المناطق الريفية، مثل الفلاحين الذين لا يملكون أرضا والعمال الزراعيين وصيادي الأسماك والنساء الريفيات، الذين غالبا ما يواجهون تمييزا منهجيا في الوصول إلى الأراضي والموارد الطبيعية الأخرى، بما في ذلك المياه والبذور والغابات والنظم الإيكولوجية المائية ( ) . ولا يزال الرعي يشكل سبيلا مستداما للعيش يمكن أن يدعم التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية الهشة للأراضي الجافة والمرتفعات العالية، ولكنه يتأثر على نحو متزايد بتغير مناطق الغطاء النباتي وارتفاع درجات الحرارة والجفاف. ويجب أن تشمل سياسات التكيف دعم المجتمعات الرعوية. ويجب على الدول الأطراف أيضا احترام الحقوق العرفية لمجتمعات الصيد في البحار والأنهار والبحيرات والموارد المائية، مع تعزيز السبل البديلة المدرة للدخل، وحماية هذه الحقوق قدر الإمكان ( ) .

الأشخاص النازحون في سياق تغير المناخ والكوارث الطبيعية

86- يجب على الدول الأطراف منع النزوح الناجم عن تغير المناخ، وذلك من خلال تعزيز تدابير التخفيف والتكيف والحد من مخاطر الكوارث. وعندما يكون النقل أو إعادة التوطين أمرا لا مفر منه لحماية الحياة والصحة، يجب التعامل معه كملاذ أخير، وأن يُنفذ بما يتفق تماما مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان ومن خلال التشاور الهادف مع المجتمعات المتضررة ( ) . ويجب أن يتمتع النازحون بالمساواة في الحصول على الحقوق المنصوص عليها في العهد، بما في ذلك الغذاء والمياه والصرف الصحي والسكن والرعاية الصحية والتعليم وسبل العيش والحياة الثقافية. وتنطبق الالتزامات الأساسية الدنيا بموجب العهد على الأشخاص النازحين على قدم المساواة مع غيرهم. أما بالنسبة للنازحين عبر الحدود بسبب تغير المناخ، فيجب على الدول الأطراف التمسك بمبدأ عدم الإعادة القسرية وتوفير الحماية القانونية لهم ( ) . وتمشيا مع مبدأ المسؤوليات المشتركة وإن كانت متباينة، يجب على الدول الأطراف أن تتعاون على الصعيد الدولي لتعبئة الموارد لدعم النازحين، بما في ذلك من خلال آليات الخسائر والأضرار المرتبطة بالمناخ ( ) .

سادسا ً - سبل الانتصاف والمساءلة

87- يتطلب احترام الحقوق المنصوص عليها في العهد وحمايتها وإعمالها من الدول الأطراف منع الضرر الناجم عن تغير المناخ والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي والتخفيف من حدته وجبره. وقد يشكل عدم اتخاذ دولة ما إجراءات مناسبة لحماية النظام المناخي من انبعاثات غازات الدفيئة فعلا غير مشروع دوليا يُنسب إلى الدولة ( ) . وعندما تُنتهك الحقوق المنصوص عليها في العهد بسبب التدهور البيئي، يجب على الدول الأطراف أن تكفل الوصول إلى سبل انتصاف قضائية وغير قضائية فعالة وميسورة التكلفة وفي الوقت المناسب ( ) ، بما في ذلك رد الحقوق، والتعويض، وإعادة التأهيل، والترضية، وضمانات عدم التكرار ( ) . وينبغي للدول الأطراف أيضا إتاحة الصفة القانونية الجماعية والوصول إلى العدالة، عند الاقتضاء، بما في ذلك لأولئك الذين يتصرفون دفاعا عن مصالح الأجيال القادمة - مثل ممثلي الشباب، والأوصياء المعينين من قبل المحاكم، ومنظمات المصلحة العامة - واعتماد معايير مرنة لقواعد الإثبات لتفادي الحواجز الإجرائية التي قد تعيق الضحايا ( ) .

88- والدول الأطراف ملزمة أيضا بمنع ومعالجة أي انتهاك للحقوق المنصوص عليها في العهد إذا نجم عن ضرر بيئي تسببه كيانات تجارية أو جهات غير حكومية خاضعة لولايتها أو لسيطرتها، بما في ذلك تلك التي تعمل في الخارج ( ) . ويجب على الدول الأطراف، ولا سيما الدول التي تنتمي إليها الجهات المسؤولة، أن تتخذ التدابير المناسبة لضمان وصول ضحايا الضرر العابر للحدود إلى آليات انتصاف فعالة، وخاصة عندما تكون سبل الانتصاف غير متاحة أو غير فعالة في الدول التي يحدث فيها الضرر.

89- ويجب على الدول الأطراف أن تتعاون بحسن نية لمعالجة الآثار الضارة للتدهور البيئي، بما في ذلك الخسائر والأضرار الاقتصادية وغير الاقتصادية، كجزء من التزامها بضمان جبر الضرر الناجم. ويشمل ذلك المساهمة بموارد كافية لآليات مثل صندوق مواجهة الخسائر والأضرار المرتبطة بالمناخ، وكفالة تمتع الأفراد والمجتمعات المتضررة بإمكانية منصفة للوصول إلى سبل الانتصاف والجبر الفعالة.

90- ويجب على الدول الأطراف أيضا أن تضمن فعالية آليات المساءلة والرصد والتحقيق في منع ومعالجة أي آثار ضارة غير مقصودة قد تنجم عن القوانين والسياسات المتعلقة بتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث، لا سيما بالنسبة للأفراد أو الجماعات الذين يعيشون في أوضاع حرمان أو تهميش. وينبغي تمكين المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وأمناء المظالم والهيئات المماثلة من التصدي لانتهاكات الحقوق المنصوص عليها في العهد والإشراف على الامتثال في هذا المجال. ويجب أن تكون عمليات الرصد شاملة وتشاركية، وأن تستند إلى رؤى نوعية وبيانات كمية مصنفة.