الأمم المتحدة

CCPR/C/103/D/1781/2008

Distr.: General

18 January 2012

Arabic

Original: French

اللجنة المعنية بحقوق الإنسان

البلاغ رقم 178 1 /2008

الآراء التي اعتمدتها اللجنة في دورتها الثالثة بعد المائة

(17 تشرين الأول/أكتوبر - 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2011)

المقدم من : فاطمة الزهراء برزيق ( ت مثلها منظمة ترايل - الرابطة السويسرية لمكافحة الإ ف لات م ن العقاب)

مقدم باسم : كمال جبروني ( ا بنها ) وصاحبة البلاغ نفسها

الدولة الطرف : الجزائر

تاريخ البلاغ : 8 شباط/فبراير 200 8 (تاري خ ت ق ديم الرسالة الأولى)

الوثائق المرجعية : قرار المقرر الخاص بموجب المادة 97 من النظام الداخلي، المرسل إلى الدولة الطرف في 24 نيسان/أبريل 2008 (لم يصدر في شكل وثيقة)

تاريخ اعتماد الآراء : 31 تشرين الأول/أكتوبر 2011

الموضوع : اختفاء قسري

المسائل الموضوعية : الحق في الحياة، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية، وحق الشخص في الحرية والأمن، واحترام الكرامة المتأصلة في شخص الإنسان، والاعتراف بالشخصية القانونية والحق في انتصاف فعال

المسائل الإجرائية : استنفاد سبل الانتصاف ال محلية

مواد العهد : الفقرة 3 من المادة 2، و الفقرة 1 من المادة 6، و المادة 7، والفقرات 1 إلى 4 من المادة 9 ، و الفقرة 1 من الماد ة 10 ، و المادة 16

مادة البروتوكول الاختياري : الفقر ة 2(ب) من المادة 5

المرفق

آراء اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بموجب الفقرة 4 من المادة 5 من البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الدورة الثالثة بعد المائة)

بشأن

البلاغ رقم 178 1 /2008 *

المقدم من : فاطمة الزهراء برزيق (تمثلها منظمة ترايل - الرابطة السويسرية لمكافحة الإفلات من العقاب)

مقدم باسم : كمال جبروني ( ا بنها ) وصاحبة البلاغ نفسها

الدولة الطرف : الجزائر

تاريخ البلاغ : 8 شباط/فبراير 200 8 (تاري خ تقديم الرسالة الأولى)

إن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان ، المنشأة بموجب المادة 28 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،

وقد اجتمعت في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2011،

وقد فرغت من النظر في البلاغ رقم 178 1 /2008، الذي قدمته السيدة فاطمة الزهراء برزيق بموجب البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،

وقد وضعت في اعتبارها جميع المعلومات المكتوبة التي أتاحتها لها صاحبة البلاغ،

تعتمد ما يلي:

آراء بموجب الفقرة 4 من المادة 5 من البروتوكول الاختياري

1-1 صاحبة البلاغ، المؤرخ 8 شباط/فبراير 200 8 ، هي فاطمة الزهراء برزيق ، وهي مواطنة جزائرية مولودة في 2 آذار/مارس 1936 . وتقدم البلاغ باسم ابنها ، المولود في 10 تموز/يوليه 1963 في سيدي محمد بالجزائر العاصمة، وباسمها هي شخصيا ً . وتدع ي صاحبة البلاغ أن ابنها وقع ضحية لانتهاك الجزائر الفقرة 3 من المادة 2، والفقرة 1 من المادة 6، و المادة 7 ، و الفقرات 1-4 من المادة 9، و الفقرة 1 من المادة 10 ، و المادة 16 من العهد. وتدعي أيضا ً أنها وقعت هي كذلك ضحية لانتهاك الفقرة 3 من المادة 2 والمادة 7 من العهد. وتمثلها منظمة ترايل (الرابطة السويسرية لمكافحة الإفلات من العقاب) ( ) .

1-2 وفي 12 آذار/مارس 2009، قرر المقرر الخاص المعني بالبلاغات الجديدة، باسم اللجنة، رفض طلب الدولة الطرف المؤرخ 3 آذار/مارس 2009، الذي تناشد فيه اللجنة بالنظر في مسألة المقبولية بمعزل عن أسسه الموضوعية.

الوقائع كما عرضتها صاحبة البلاغ

2-1 في صبيحة يوم 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1994، وتحديدا ً على الساعة الثانية فجرا ً ، داهم نحو خمسة عشر عسكريا ً ، يرتدون زيا ً عسكريا ً ومسلحين وملثمين، منزل كمال جبروني في حي بالزاك في سيدي محمد بالجزائر العاصمة، وألقوا القبض عليه. وكان هؤلاء العسكريون قدِموا في سيارات تابعة للجيش وناقلة مصفحة صغيرة واحدة. وقد أخطأ هؤلاء في البداية حيث طرقوا باب أحد الجيران. ولما سمع هذا الجار أن عناصر الجيش يطلبون "كمال سائق التاكسي"، دلّهم على باب شقة عائلة جبروني. وأيقظوا صاحبة البلاغ وأبناءها الثلاثة وطلبوا من كمال جبروني أن يقدم لهم أوراقه ومفاتيح سيارته وأرغموه على مصاحبتهم. ولما رأت صاحبة البلاغ أن ابنها لم يكن يلبس سوى سروال بذلة رياضية وقميص داخلي، طلبت من العسكريين أن يمنحوه بعض الوقت ليرتدي ملابسه، فرد عليها أحدهم أنهم يريدونه لبضعة دقائق فقط وسيخلون سبيله بسرعة.

2-2 و منذ ذلك الحين، لم يعد كمال جبروني إلى بيته، ولم تبلغ السلطات أسرته بما آل إليه مصيره. والخبر الوحيد الذي تلقته الأسرة عن الضحية، والذي لم يؤكده أحد على الإطلاق، كان في 23 شباط/فبراير 1995 عندما حضر أحد زملاء المفقود إلى منزل الأسرة وأبلغها بما سمع من سجين سابقا ً ، ولم يرد زميل المفقود الإفصاح عن هوية هذا السجين ولا عن عنوانه. وقال إن هذا السجين، الذي أفرجت عنه قوات الأمن قبل 17 يوما ً ، كان في زنزانة واحدة مع الضحية. على أن أسرة جبروني لم تتمكن من الحديث مباشرة إلى هذا السجين الذي يدعي أنه كان في زنزانة واحدة مع الضحية.

2-3 وقد ذهب أخ كمال جبروني، مباشرة بعد القبض على هذا الأخير، إلى مخفر الشرطة بالحي (الدائرة الثامنة). وأخبره أفراد الشرطة في المخفر أنه ليس بوسعهم تزو ي ده بأية معلومات دقيقة عن أخيه ونصحوه بالانتظار 12 يوما ً وهي مدة الحبس الاحتياطي المقررة بموجب قانون مكافحة الإرهاب. و بعد انقضاء هذه المدة، قامت أسرة الضحية بعدة مساعي لدى مختلف محاكم العاصمة لمعرفة ما إذا كان كمال جبروني قد قُدّم إلى مدع عام لمحاكمته.

2-4 و في 11 كانون الثاني/يناير 1995، توجه أخ الضحية إلى المرصد الوطني لحقوق الإنسان وأبلغه بتفاصيل عملية إلقاء القبض على الضحية. وأكدت له الموظفة التي استقبلته بأن المرصد سيقدم طلبا ً إلى مختلف الأجهزة الأمنية لمعرفة مكان وجود الضحية وأنه سيبلغ خطيا ً بنتائج هذه التحريات. ولم يقدم المرصد أية معلومات عن الضحية على الإطلاق رغم إلحاح أخ الضحية بالاتصال بالمرصد هاتفيا ً عدة مرات، ثم مخاطبته خطيا ً بعد أكثر من ثلاث سنوات (14 شباط/فبراير 1998).

2-5 و في 12 أيلول/سبتمبر 1998، قدم إلى منزل أسرة جبروني رجال درك يبحثون عن الضحية. وطلبوا من صاحبة البلاغ الحضور في اليوم التالي إلى مفرزة الدرك الكائنة في باب جديد محضرةً معها دفتر العائلة وشاهدين على حادثة القبض على ابنها. وفي 13 أيلول/سبتمبر 1998، توجهت صاحبة البلاغ وابنها وشاهدان إلى المفرزة المذكورة. وسُجّلت إفادة الا بن أولا ً ، ثم استمع رجال الدرك إلى الشاهدين على انفراد. وارتأى رجال الدرك تسجيل إفادة شاهد واحد فقط معتبرين أن الشاهد الثاني لم يشاهد شيئا ً . على أن صاحبة البلاغ والشاهدين، الذين رفضوا الأسلوب الذي انتهجه رجال الدرك، تمكنوا من إثبات روا ي تهم للوقائع في تصريح مكتوب يحمل توقيعات مصدق عليها من قبل دائرة سيدي محمد في 24 أيلول/سبتمبر 1998.

2-6 وفي 9 حزيران/يونيه 1999، بعث المرصد الوطني لحقوق الإنسان رسالة إلى أسرة الضحية يخبرها فيها أن التحريات التي جرت لم تفض إلى شيء، وأن كمال جبروني لم يكن مطلوبا ً لدى الجهات الأمنية، وأن هذه الأخيرة لم تقبض عليه، وذلك طبقا ً لمحضر مقدم من مفرزة الدرك في 15 أيلول/سبتمبر 1998، أي بعد نحو يومين من الاستماع إلى الأسرة والشاهد. ولم تبلَّغ الأسرة بإجراءات التحقيق التي قامت بها قوات الأمن ولم تتلق قط نسخة من المحضر المشار إليه في رسالة المرصد. وتلاحظ صاحبة البلاغ أن الرسالة المؤرخة 9 حزيران/يونيه 1999 الموجهة إلى أسرة الضحية تذكر تاريخا ً مغلوطا ً على أنه تاريخ القبض على الضحية. وفي الواقع، فقد ألقي القبض على الضحية في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1994، وليس في 2 أيلول/سبتمبر 1995 كما جاء في الرسالة. وفي 24 آب/أغسطس 1999، كتب ابن صاحبة البلاغ إلى الأمين العام للمرصد الوطني لحقوق الإنسان يلفت فيها الانتباه إلى هذه المعلومة غير الدقيقة.

2-7 وفي 27 تموز/يوليه 2004، أرسلت اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان، التي حلت محل المرصد الوطني لحقوق الإنسان، رسالة إلى أسرة جبروني تدعوها فيها إلى الحضور إلى مقرها يوم 7 آب/أغسطس 2004 للاستماع إليها. ولبت الأسرة هذا الاستدعاء، وقدمت للجنة جميع المعلومات المتعلقة بوقائع اختطاف الضحية، ولم تتلق الأسرة منذ ذلك الحين أية ردود من هذه الهيئة.

2-8 ومن جهة أخرى، قامت منظمة العفو الدولية، التي أبلغتها أسرة الضحية باختفاء كمال جبروني، بإحالة القضية في 11 كانون الأول/ديسمبر 1995 إلى فريق العمل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي التابع للأمم المتحدة. وطلب الفريق من الدولة الجزائرية مباشرة التحريات للبحث عن الضحية، إلا أن الدولة الطرف لم ترد على هذا الطلب.

الشكوى

3-1 تعتبر صاحبة البلاغ أن ابنها وقع ضحية اختفاء قسري ( ) وفي ذلك انتهاك ل لفقرة 3 من المادة 2 ، والفقرة 1 من المادة 6، و المادة 7 ، و الفقرات 1-4 من المادة 9، و الفقرة 1 من المادة 10 ، و المادة 16 من العهد. وتعتبر صاحبة البلاغ أيضا ً أنها وقعت هي كذلك ضحية لانتهاك المادة 7 مقروءة منفردة ومقترنة بالفقرة 3 من المادة 2 من العهد .

3-2 وقد استتبع القبض على كمال جبروني من قبل عناصر تابعين للدولة الطرف برفض الاعتراف بحرمان الضحية من حريته والتستر على ما آل إليه مصيره. وبذلك يكون قد حُرم عمدا ً وعن سبق إصرار من حماية القانون. ويعتقد أن طول أمد اختفاء الضحية وملابسات وسياق القبض عليه قرائن تشير إلى أن الضحية قد فارق الحياة أثناء وجوده في المعتقل. وتدعي صاحبة البلاغ، استنادا ً إلى التعليق العام للجنة بشأن المادة 6 ( ) ، أن الاحتجاز في مكان سري ينطوي إلى حد كبير جدا ً على خطر انتهاك الحق في الحياة، لأن السجين يجد نفسه بذلك، بصرف النظر عن طبيعة الظروف التي يمر بها، تحت رحمة سجانيه الذين يفلتون من أي شكل من أشكال المراقبة. وحتى إذا افترضنا أن الاختفاء لن يفضي إلى الاحتمال الأسوأ، فإن التهديد الجاثم على حياة الضحية في أثناء اختفائ ه يشكل انتهاكا ً للمادة 6 من حيث إ ن الدولة لم تف بواجبها حماية الحق الأساسي في الحياة ( ) . وتضيف صاحبة البلاغ أن الدولة الطرف، علاوة على إخلالها بواجب ضمان حق كمال جبروني في الحياة، لم تحرك ساكنا ً للتحقيق في ما آل إليه مصيره. ومن ثم، تعتبر صاحبة البلاغ أن الدولة الطرف انتهكت المادة 6 مقروءة منفردة ومقترنة بالفقرة 3 من المادة 2 من العهد.

3-3 و استنادا ً إلى قرارات سابقة اتخذتها اللجنة، تدعي صاحبة البلاغ أن مجرد إخضاع شخص للاختفاء القسري يشكل في حد ذاته معاملة لا إنسانية أو مهينة. وهكذا، فإن القلق والمعاناة الناجمين عن اعتقال كمال جبروني لمدة غير محددة دون اتصال بأسرته ولا بالعالم الخارجي هما بمثابة معاملة منافية للمادة 7 من العهد تعرض لها كمال جبروني ( ) . وتدعي صاحبة البلاغ كذلك أن اختفاء ابنها شكل ولا يزال يشكل بالنسبة لها ولجميع أقاربها كربا ً مضنيا ً وأليما ً ومروعا ً بالنظر إلى أن أسرة الضحية لا تعرف شيئا ً عما آل إليه مصيره؛ وأنها ، في حالة وفاته، لا تعرف شيئا ً أيضا ً عن ملابسات الوفاة ولا تعرف إن كان دفن أم لا. واستنادا ً إلى قرارات سابقة اتخذتها اللجنة في هذا الصدد ( ) ، خلصت صاحبة البلاغ إلى أن الدولة الطرف انتهكت أيضا ً حقوقها بموجب المادة 7 مقروءة منفردة ومقترنة بالفقرة 3 من المادة 2 من العهد.

3-4 و تلاحظ صاحبة البلاغ أن السلطات التي طلبت منها أسرة الضحية المساعدة لمعرفة مصير ابنها لم تعترف باحتجازها الضحية؛ وأن الدولة الطرف نفت، من خلال المرصد الوطني لحقوق الإنسان، إلقاء أفراد من الجيش القبض على كمال جبروني؛ وأن السلطات لم تعترف حتى اليوم بأنها اعتقلت واحتجزت هذا المواطن بطريقة غير مشروعة بالرغم من وجود شهود كانوا حاضرين لحظة القبض عليه. وتشير جميع هذه القرائن إلى وقوع انتهاك للفقرات من 1 إلى 4 من المادة 9 من العهد. وفيما يتعلق بالفقرة 1 من المادة 9، تذكّر صاحبة البلاغ بأن كمال جبروني قبض عليه دون أمر قضائي ودون إبلاغه بأسباب اعتقاله. ومنذ اختطاف الضحية من منزله، لم يتمكن أحد من أفراد أسرته من رؤيته ولا من الاتصال به. ويتبيّن من الملابسات التي أحاطت بإلقاء القبض على كمال جبروني أن هذا الأخير لم يبلَّغ على الإطلاق بالتهم الجنائية الموجهة إليه، وفي ذلك خرق للفقرة 2 من المادة 9 من العهد. وعلاوة على ذلك، لم يقدَّم كمال جبروني أمام قاض أو هيئة قضائية أخرى مثل النيابة العامة لمحكمة الجزائر العاصمة المخولة إقليميا ً على أساس مكان الاعتقال، لا أثناء المدة القانونية للحبس الاحتياطي ولا بعد انتهائها. وبعد التذكير بأن الحبس في مكان سري قد يؤدي في حد ذاته إلى انتهاك للفقرة 3 من المادة 9، خلصت صاحبة البلاغ إلى أن أحكام هذه الفقرة قد انتهكت في حالة كمال جبروني. وفي الأخير، تدفع صاحبة البلاغ بأن كمال جبروني، الذي حُرم من حماية القانون طوال فترة اعتقاله غير المحددة، لم يتمكن قط من الطعن في شرعية اعتقاله ولا أن يطلب من قاض الإفراج عنه، وفي ذلك انتهاك للفقرة 4 من المادة 9 من العهد.

3-5 وتدفع صاحبة البلاغ فضلا ً عن ذلك بأن ابنها، وبسبب اعتقاله في مكان سري، وهو في حد ذاته انتهاك للمادة 7 من العهد، لم يعامل معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة للإنسان. وتؤكد صاحبة البلاغ تبعا ً لذلك أن ابنها كان ضحية انتهاكات الدولة الطرف للفقرة 1 من المادة 10 من العهد.

3-6 و ت دفع صاحبة البلاغ كذلك ب أن ه نظرا ً لتعرض ابنها لاختفاء قسري فقد حُرم من حماية القانون، وفي ذلك انتهاك للمادة 16 من العهد. وتستشهد صاحبة البلاغ في ذلك بموقف اللجنة في قراراتها المتعلقة بحالات الاختفاء القسري.

3-7 وت دفع صاحبة البلاغ أيضا ً بأن الدولة الطرف، إذ لم تتخذ أي إجراء ردا ً على كافة الخطوات التي قامت بها لمعرفة مصير ابنها، تكون قد أخلت بواجبها بأن تكفل لابنها الحصول على انتصاف فعال، لأنه كان عليها أن تجري تحقيقا ً متعمقا ً وسريعا ً في اختفاء الضحية وإطلاع أسرته على نتائج هذه التحقيقات. وقد بات انعدام الانتصاف الفعال أكثر تأكيدا ً بإقرار عفو عام وشامل على الصعيد القضائي بعد صدور الأمر رقم 06/01 في 27 شباط/فبراير 2006 المتعلق بتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، والذي يمنع، تحت طائلة السجن، من اللجوء إلى العدالة لكشف ملابسات الجرائم الأكثر خطورة مثل حالات الاختفاء القسرية، وفي ذلك ضمان لإفلات المسؤولين عن هذه الانتهاكات من العقاب. فقانون العفو هذا ينطوي على انتهاك لواجب الدولة الطرف التحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، كما ينطوي على انتهاك حق الضحايا في الانتصاف الفعال. وتخلص صاحبة البلاغ إلى أنها هي وابنها ضحايا انتهاك الدولة الطرف لأحكام الفقرة 3 من المادة 2 من العهد.

3-8 و فيما يتعلق باستنفاد سبل الانتصاف المحلية، تؤكد صاحبة البلاغ أن جميع الخطوات التي قامت بها هي وأسرتها باءت بالفشل. وبامتناع رجال الشرطة في الدائرة الثامنة من فتح تحقيق سريع وجدي ونزيه، يكونون قد أخلوا ليس بالتعهدات الدولية للدولة الطرف فحسب، بل أيضا ً بالتشريع الداخلي ما دام أن المادة 63 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري ت نص على أن " يقوم ضباط الشرطة القضائية بالتحقيقات الابتدائية للجريمة بمجرد علمهم بوقوعها إما بناء على تعليمات وكيل الجمهورية وإما من تلقاء أنفسه م" ( ) . وعلاوة على المساعي التي قامت بها صاحبة البلاغ لدى المرصد الوطني لحقوق الإنسان، الذي حلت محله اللجنة الوطنية لترقية وحماية حقوق الإنسان، هناك التحقيق الذي قيل إن مصالح الدرك قد أجرته والذي يظل التحقيق الوحيد الذي أجري حتى يومنا هذا. على أن هذا التحقيق يكون ق د أجري بطريقة سطحية وقاصرة حيث إ ن المحضر الذي عُدَّ بمثابة التقرير النهائي للتحقيق قد أرسل إلى المرصد الوطني لحقوق الإنسان بعد نحو يومين فقط من تقديم أسرة الضحية والشاهد الوحيد الذي استُمع إليه شهادتهما، علما ً بأن جلسة الاستماع إلى أصحاب الدعوى تكون، بشكل عام، إيذانا ً ببدء التحقيق. وقد وصل الأمر بالسلطات إلى نفي أي تورط لمصالح الدولة في اختفاء كمال جبروني رغم أن جميع أفراد الأسرة وبعض الجيران كانوا شهودا ً عند اختطافه.

3-9 وتدفع صاحبة البلاغ، علاوة على ذلك، بأنه بات يستحيل عليها قانونيا ً اللجوء إلى هيئة قضائية بعد صدور الأمر رقم 06/01 المتعلق بتنفيذ ميثاق الس لم والمصالحة الوطنية ( ) . وإذا كانت جميع الطعون التي قدمتها صاحبة البلاغ غير مجدية وغير فعالة أصلا ً ، فقد أصبحت، منذ صدور هذه الأحكام، منعدمة كلية. وعليه، تدفع صاحبة البلاغ بأنه لم تعد ملزمة، لكي تقبل اللجنة دعواها، بالاستمرار لفترة أطول في هذه المساعي والإجراءات على الصعيد المحلي، وإلا عرضت نفسها لملاحقات جنائية.

ملاحظات الدولة الطرف بشأن مقبولية البلاغ

4-1 في 3 آذار/مارس 2009، طعنت الدولة الطرف في مقبولية البلاغ ومقبولية عشرة بلاغات أخرى مقدمة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، و كان ذلك في "مذكرة مرجعية بشأن عدم مقبولية البلاغات المقدمة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان فيما يتعلق بتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية". ورأت الدولة في الواقع أن هذه البلاغات ، التي ت رمي بال مسؤولية على الموظفين العموميين أو الذين يخضعون في عملهم للسلطات العامة عن حدوث حالات الاختفاء القسري في أثناء الفترة موضوع الدراسة، أي ما بين عامي 1993 و1998، يجب معالجتها في إطار شامل، وإعادة وضع الأحداث المُدعى وقوعها في السياق الداخلي الاجتماعي السياسي والأمني لفترة كان على الحكومة أن تواجه فيها الإرهاب بشق الأنفس .

4-2 وكان على الحكومة في أثناء هذه الفترة أن تكافح جماعات غير منظمة. ونتيجة لذلك، فقد جرت عدة عمليات في ظروف غامضة لدى السكان المدنيين. وكان من الصعب على هؤلاء السكان أن يُفرقوا بين عمليات الجماعات الإرهابية وعمليات قوات الأمن . وعزا المدنيون عدة مرات حالات الاختفاء القسري إلى قوات الأمن . ومن ثمّ فإن حالات الاختفاء القسري ترجع إلى مصادر متعددة، ولكنها، حسب الدولة الطرف، لا يمكن أن تُعزى إلى الحكومة. واستناداً إلى البيانات الموثقة من عدة مصادر مستقلة، وبخاصة الصحافة، ومنظمات حقوق الإنسان، فإن المفهوم العام للشخص المختفي في الجزائر في أثناء الفترة موضوع الدراسة يشير إلى ست حالات مختلفة لا تتحمل الدولة المسؤولية في أي منها. وتشير الدولة الطرف إلى حالة الأشخاص الذين أبلغ أقاربهم عن اختفائهم ، في حين أنهم قرروا من تلقاء أ نفسهم الاختفاء عن الأنظار للانضمام إلى الجماعات المسلحة ، وطلبوا من أسرهم أن تعلن أن الدوائر الأمنية قد ألقت القبض عليهم "للتضليل" وتجنّب "مضايقات" الشرطة. وتتعلق الحالة الثانية بالأشخاص الذين أُبلغ عن اختفائهم بعد قيام الدوائر الأمنية بإلقاء القبض عليهم لكنهم انتهزوا الفرصة بعد إطلاق سراحهم للاختفاء عن الأنظار . وقد يتعلق الأمر أيضاً بحالة الشخص المفقود الذي اختطفته جماعات مسلحة لا تُعرف هويتها أو انتحلت صفة أفراد الشرطة أو الجيش بارتداء زيهم أو استخدام وثائق هويتهم، فاعتُبرت خطأً عناصر تابعة للقوات المسلحة أو للدوائر الأمنية. وتتعلق الحالة الرابعة بالأشخاص الذين تبحث عنهم أسرهم بعد أن قرروا من تلقاء أ نفسهم هجر أقاربهم، وأحياناً حتى مغادرة البلد بسبب مشاكل شخصية أو خلافات عائلية. وقد يتعلق الأمر في الحالة الخامسة بأشخاص أبلغت أسرهم عن اختفائهم و هم في واقع الأمر إرهابي و ن إما أنهم مطلوبين أو قُتلوا أو دُفنوا في الأدغال في أعقاب "حرب مذهبية" أو "حرب عقائدية" أو "صراع على الغن ائم " بين جماعات مسلحة متنافسة. وأخيراً، تشير الدولة الطرف إلى احتمال سادس عن أشخاص يجري البحث عنهم باعتبارهم مفقودين وهم يعيشون إما في البلد أو خارج ه ب هويات مزورة حصل وا عليها عن طريق شبكة مذهلة لتزوير الوثائق.

4-3 وتؤكد الدولة الطرف أن تنوع وتعقيد الحالات التي يغطيها المفهوم العام للاختفاء هو الذي دفع المشرِّع الجزائري، بعد الاستفتاء الشعبي على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، إلى اقتراح معالجة مسألة المفقودين في إطار شامل بالتكفل بجميع الأشخاص المفقودين في سياق المأساة الوطنية، ومساندة جميع الضحايا حتى يتسنى لهم التغلب على هذه المحنة، ومنح جميع ضحايا الاختفاء و لذوي الحقوق من أهلهم اللازم . وتشير الإحصاءات التي أعدتها دوائر وزارة الداخلية إلى أنه تم الإبلاغ عن 023 8 حالة اختفاء، و أن الجهات المعنية بحث ت 774 6 ملفاً، وق ُ بل دفع تعويض لأصحاب 704 5 ملفات، ورفض 934 ملفاً ، وأن عدد الملفات الجاري بحثها يصل إلى 136 ملفاً. و قد دفع ت تعويض ات بمبلغ 390 459 371 د ينا راً جزائرياً لجميع الضحايا المعنيين. ويُضاف إلى ذلك مبلغ 683 824 320 1 ديناراً جزائرياً يُدفع في شكل معاشات شهرية.

4-4 وتحتج الدولة الطرف أيضاً بعدم استنفاد جميع سبل الانتصاف المحلية. وتشدد على أهمية التمييز بين المساعي البسيطة المبذولة لدى السلطات السياسية أو الإدارية، والطعون غير القضائية أمام هيئات استشارية أو هيئات وساطة، والطعون القضائية أمام مختلف الهيئات القضائية المختصة. وتلاحظ الدولة الطرف أنه يتبين من إفادات أصحاب البلاغات ( ) أن أصحاب الشكاوى وجَّهوا رسائل إلى السلطات السياسية أو الإدارية، وعرضوا قضاياهم على هيئات استشارية أو هيئات وساطة وأرسلوا عريضة إلى ممثلين للنيابة العامة (المد ّ عون العامون أو وكلاء الجمهورية) دون اللجوء إلى إجراءات الطعن القضائي بمعناه الدقيق والاستمرار فيها حتى النهاية باستخدام جميع سبل الانتصاف المتاحة في الاستئناف والنقض. ومن بين هذه السلطات جميعها، لا يحق سوى لممثلي النيابة العامة بموجب القانون فتح تحقيق أولي وعرض المسألة على قاضي التحقيق. ووكيل الجمهورية، في النظام القضائي الجزائري، هو المختص في تلقي الشكاوى والقيام، عند الاقتضاء، بتحريك الدعوى العامة. غير أنه لحماية حقوق الضحية أو أصحاب الحقوق من أهله ، يُجيز قانون الإجراءات الج ز ائية لهؤلاء تقديم شكوى والادعاء بالحق المدني مباشرة أمام قاضي التحقيق. وفي هذه الحالة، تكون الضحية وليس المدعي العام هي من يحرك الدعوى العامة بعرض الحالة على قاضي التحقيق. ولم يُستخدم هذا السبيل في الانتصاف المنصوص عليه في المادتين 72 و73 من قانون الإجراءات الج ز ائية مع أنه كان يكفي الضحايا تحريك الدعوى العامة و إلزام قاضي التحقيق بإجراء التحقيق، حتى إذا كانت النيابة العامة قد قررت خلاف ذلك.

4-5 وتلاحظ الدولة الطرف فضلا ً عن ذلك أن أصحاب البلاغ يرون أنه، ب اعتماد الميثاق و نصوص تطبيق ه عن طريق الاستفتاء، وبخاصة المادة 45 من الأمر رقم 0 6- 0 1، لم يعد ممكناً تخيل وجود سبل انتصاف محلية فعالة ومفيدة في الجزائر تكون متاحة لأسر ضحايا الاختفاء. وعلى هذا الأساس، اعتقد أصحاب البلاغ أنهم في حل من التزام اللجوء إلى الهيئات القضائية المختصة بالحكم مسبقاً على موقف هذه الهيئات وتقديره ا في تطبيق هذا الأمر. و الحال أنه لا يجوز لأصحاب البلاغ أن يحتجوا بهذا الأمر و ب نصوص تطبيق ه لتبرئة أنفسهم من ال مسؤولية عن عدم اتخاذ الإجراءات القضائية المتاحة. وتذكِّر الدولة الطرف بالآراء السابقة التي اعتمدتها اللجنة وذهبت فيها إلى أن "اعتقاد [صاحب البلاغ] عدم جدوى سبيل لل انتصاف أو افتراضه ذلك من تلقاء نفسه لا يُعفيه من استنفاد سبل الانتصاف المحلية جميعها" ( ) .

4-6 وتتناول الدولة الطرف بعد ذلك طبيعة ميثاق السلم والمصالحة الوطنية والأسس التي يستند إليها ومضمونه ونصوص تطبيقه. وتشير إلى أن اللجنة مدعوة، بموجب مبدأ عدم قابلية السلم للتصرف فيه و الذي أصبح حقاً دولياً في السلم، إلى أن تهيئ إرساء دعائم السلم وت دعم المصالحة الوطنية حتى تتمكن الدول التي تعاني من أزمات داخلية من تعزيز قدراتها. وفي سياق هذا الجهد من أجل المصالحة الوطنية، اعتمدت الدولة هذا الميثاق الذي ينص الأمر التأسيسي الخاص به على تدابير قانونية تستوجب انقضاء الدعوى العمومية واستبدال العقوبات أو تخفيضها بالنسبة لكل شخص مدان بارتكاب أعمال إرهابية أو استفاد من الأحكام المتعلقة بالوئام المدني، فيما عدا الأشخاص الذين ارتكبوا أو تواطؤ ا في ارتكاب مجازر جماعية أو انتهاك الحرمات أو استعمال المتفجرات في الاعتداءات على الأماكن العمومية. وينص هذا الأمر أيضاً على إجراءات دعم سياسة التكفل بملف المفقودين برفع دعوى لاستصدار حكم قضائي بالوفاة يمنح ذوي الحقوق من ضحايا المأساة الوطنية الحق في التعويض. وبالإضافة إلى ذلك، اتخذت تدابير اجتماعية - اقتصادية مثل تقديم المساعدات لإعادة التأهيل المهني أو تعويض كل من تنطبق عليه صفة ضحية المأساة الوطنية. وأخيراً، ينص الأمر على تدابير سياسية مثل منع أي شخص استغل ا لدين في الماضي مما أدى إلى المأساة الوطنية من ممارسة نشاط سياسي؛ كما ينص على إعلان عدم قبول أي ملاحقة قانونية فردية أو جماعية، تستهدف أفراد قو ات الدفاع والأمن التابعة للجمهورية، بجميع مكوناتها، بتهمة ارتكاب أعمال نفذت من أجل حماية الأشخاص والممتلكات، ونجدة الأمة والحفاظ على مؤسسات الجمهورية.

4-7 وأشارت الدولة الطرف إلى أنه، بالإضافة إلى إنشاء صناديق لتعويض جميع ضحايا المأساة الوطنية، وافق شعب الجزائر صاحب السيادة على الشروع في عملية مصالحة وطنية باعتبارها السبيل الوحيد لتضميد الجراح. وتشدد الدولة الطرف على أن إعلان هذا الميثاق يندرج في إطار الرغبة في تجنب حالات المواجهة القضائية، وال تشهير الإعلامي، وتصفية الحسابات السياسية. ولذا تعتبر الدولة الطرف أن الوقائع التي يدعيها أصحاب البلاغ مشمولة بالآلية الداخلية الشاملة للتسوية التي حثت عليها أحكام الميثاق.

4-8 وتطلب الدولة الطرف إلى اللجنة أن تلاحظ أوجه الشبه بين الوقائع والحالات التي وصفها أصحاب البلاغات وكذلك السياق الاجتماعي - السياسي والأمني الذي حدثت فيه؛ وأن تقرر عدم استنفاد أصحاب البلاغات لجميع سبل الانتصاف المحلية؛ وأن تقرر أن سلطات الدولة الطرف فعّلت آلية داخلية لمعالجة الحالات المشار إليها في البلاغات المعنية وتسويتها تسوية شاملة وفقاً لمسار من أجل ال سلم و ال مصالحة الوطنية يتفق مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والعه ود والاتفاقيات اللاحقة؛ وأن تخلص إلى عدم مقبولية هذه البلاغات وتطالب أصحاب البلاغ ات التماس سبل الطعن على النحو المطلوب .

الملاحظات الإضافية التي قدمتها الدولة الطرف بشأن مقبولية البلاغ

5-1 في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2009، أرسلت الدولة الطرف إلى اللجنة مذكرة إضافية تتساءل فيها إن لم تكن مجموعة البلاغات الفردية المعروضة على اللجنة تشكل بالأحرى إساءة استعمال للإجراءات ب قصد التقدم إلى اللجنة ب مسألة شاملة تاريخية ذات أسباب وظروف تتجاوز هذه اللجنة. وتلاحظ الدولة الطرف في هذا الصدد أن هذه البلاغات "الفردية" تشدد على السياق العام الذي حدثت فيه حالات الاختفاء هذه، م ركز ة فقط على تصرفات قوات إنفاذ القانون دون التطرق قط إلى تصرفات مختلف الجماعات المسلحة التي اتبعت تقنيات تمويه إجرامية لإلقاء المسؤولية على عاتق القوات المسلحة.

5-2 وت شدد الدولة الطرف على أنها لن تبدي رأيها بشأن المسائل الموضوعية المتعلقة بالبلاغات المذكورة قبل صدور قرار بشأن مسألة المقبولية؛ وأن واجب أي هيئة قضائية أو شبه قضائية يكمن أولاً في معالجة المسائل الأولية قبل مناقشة الأسس الموضوعية. وترى الدولة الطرف أن قرار فرض إخضاع مسائل المقبولية والمسائل المتعلقة بالموضوع لدراسة مشتركة ومتزامنة في هذه الحالة، فضلا ً عن كونه قراراً غير م تفق عليه، يضر بشكل خطير بمعالجة البلاغات المعروضة معالجة مناسبة، سواء من ناحية طبيعتها العامة أو من ناحية خصائصها الجوهرية. وبالإشارة إلى النظام الداخلي للجنة المعنية بحقوق الإنسان ، تلاحظ الدولة الطرف أن المواد المتعلقة بنظر اللجنة في مقبولية البلاغ تختلف عن المواد المتعلقة بالنظر في الأسس الموضوعية وأنه يمكن بالتالي بحث المسألتين بشكل منفصل. وفيما يتعلق بمسألة استنفاد سبل الانتصاف المحلية بصورة خاصة، تؤكد الدولة الطرف أنه لم يخضع أي من البلاغات التي قدمها أصحابها ل لمسار ال قضائي الذي يمك ّ ن ا لسلطات القضائية الداخلية من أن تنظر فيها. ولم تصل سوى بضعة بلاغات منها إلى مستوى غرفة الاتهام، وهي هيئة تحقيق قضائية من الدرجة الثانية توجد على مستوى المحاكم.

5-3 و إذ تذكر الدولة الطرف بالآراء السابقة للجنة بشأن واجب استنفاد سبل الانتصاف المحلية، ف هي تؤكد أن مجرد الشك في احتمالات النجاح أو الخوف من التأخير لا يعفي أصحاب البلاغ من استنفاد سبل الانتصاف هذه. وفيما يتعلق بالقول إن إصدار الميثاق يجعل أي طعن في هذا المجال مستحيلاً، ترد الدولة الطرف ب القول إ ن عدم اتخاذ أصحاب البلاغ أي إجراءات لمعرفة الحقيقة بشأن الادعاءات التي سيقت لم يسمح حتى الآن للسلطات الجزائرية باتخاذ موقف بشأن نطاق وحدود سريان أحكام هذا الميثاق . وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأمر المتضمن تطبيق الميثاق يشترط فقط الحكم بعدم قبول الدعاوى المقامة ضد "عناصر قوات الدفاع والأمن التابعة للجمهورية" ب تهمة ارتكاب أعمال تقتضيها مهامهم المنسجمة مع روح الجمهورية، أي حماية الأشخاص والممتلكات، وصيانة الأمة، والحفاظ على المؤسسات. غير أن أي ادعاء يتعلق بأعمال يمكن أن تنسب إلى قوات الدفاع والأمن مما يتبيّن أنها وقعت خارج هذا الإطار هو ادعاء قابل لأن تحقق فيه الهيئات القضائية المختصة.

تعليقات صاحبة البلاغ على ملاحظات الدولة الطرف

6 - 1 في 13 أيار/مايو 2011، قدمت صاحبة البلاغ تعليقات على ملاحظات الدولة الطرف بشأن المقبولية وقدمت حججا ً إضافية بشأن الأسس الموضوعية.

6-2 وتشير صاحبة البلاغ إلى أن الدولة الطرف قد قبلت باختصاص اللجنة في النظر في البلاغات الفردية. وهذا الاختصاص ذا طبيعة عامة ولا تخضع ممارسته لتقدير الدولة الطرف. وبوجه أخص، ليس من حق الدولة الطرف أن تقرر مدى استصواب أو عدم استصواب اللجوء إلى اللجنة في مسألة بعينها. فذلك من اختصاص اللجنة عند إقدامها على النظر في البلاغ. وبالإشارة إلى المادة 27 من اتفاقية فيينا، تعتبر صاحبة البلاغ أنه لا يمكن للدولة الطرف التحجج باعتماد تدابير تشريعية وإدارية داخلية للتكفل بضحايا المأساة الوطنية للدفع بعدم مقبولية البلاغات بغية منع الأفراد الخاضعين لولايتها من اللجوء إلى آلية نص عليها البروتوكول الاختياري ( ) . ومن الناحية النظرية، بإمكان هذه التدابير أن يكون لها بالفعل أثر على تسوية النزاع، ولكن يتعين تحليلها في معرض النظر في الأسس الموضوعية للقضية وليس عند النظر في مقبولية البلاغ. وفي القضية قيد البحث، تشكل التدابير التشريعية المعتمدة في حد ذاتها انتهاكا ً للحقوق المنصوص عليها في العهد، مثلما أشارت اللجنة إلى ذلك ( ) .

6-3 وتذكر صاحبة البلاغ بأن إعلان الجزائر حالة الطوارئ في 9 شباط/فبراير 1992 لا يؤثر في شيء على حق الأفراد في تقديم بلاغات فردية إلى اللجنة. وبالفعل، تنص المادة 4 من العهد على أن إعلان حالة الطوارئ يتيح للدولة أن تكون في حل من بعض الأحكام فقط ولا يؤثر بالتالي على ممارسة الحقوق المترتبة عن بروتوكوله الاختياري. وعليه، تعتبر صاحبة البلاغ أن الاعتبارات التي ساقتها الدولة الطرف بشأن استصواب تقديم البلاغ ليست مبررا ً صحيحا ً لعدم مقبولية البلاغ.

6-4 وفضلا ً عن ذلك، تتناول صاحبة البلاغ الحجة التي ساقتها الدولة الطرف ومؤداها أن استيفاء شرط استنفاد سبل الانتصاف المحلية يقتضي من صاحبة البلاغ تحريك الدعوى العامة بإيداع شكوى والادعاء بالحق المدني لدى قاضي التحقيق وفقا ً للمواد 72 وما تلاها من قانون الإجراءات الجزائية. وتشير إلى الآراء التي أبدتها اللجنة مؤخرا ً في قضية ضاوية بن عزيزة التي اتخذت آراءها بشأنها في 27 تموز/يوليه 2010 حيث رأت اللجنة أن "الدولة الطرف ليست ملزمة فحسب بإجراء تحقيقات معمقة في ال انتهاكات المفترضة لحقوق الإنسان ، سيما عندما يتعلق الأمر بالاختفاء القسري والمساس بالحق في الحياة، بل ملزمة أيضا ً بالملاحقة الجنائية لكل من يشتبه في أنه مسؤول عن تلك الانتهاكات ومحاكمته ومعاقبته . إن الادعاء بالحق المدني بشأن جرائم خطيرة مثل تلك التي يدعى ارتكابها في القضية محل النظر لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحل محل الإجراءات القضائية التي ينبغي أن يتخذها وكيل الجمهورية نفسه ( ) . " وعليه، تعتبر صاحبة البلاغ أن السلطات المختصة هي التي يتعين عليها أن تبادر بالتحقيقات اللازمة في الوقائع الخطيرة كالتي تدعيها صاحبة البلاغ. على أن ذلك لم يحدث، بينما قامت أسرة كمال جبروني من جهتها بعدة خطوات لإبلاغ السلطات باختفاء كمال جبروني وأن جميع هذه الخطوات باءت بالفشل.

6-5 وفيما يتعلق بحجة الدولة الطرف القائلة بأن مجرد " اعتقاد [صاحب البلاغ] عدم جدوى سبيل لل انتصاف أو افتراضه ذلك من تلقاء نفسه" لا يُعفيه من استنفاد سبل الانتصاف المحلية ، تشير صاحبة البلاغ إلى المادة 45 من الأمر رقم 06-01 التي تنص على عدم قبول أي ملاحقة قانونية فردية أو جماعية، تستهدف أفراد قو ات الدفاع والأمن . ويعاقب بالحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات وبغرامة من 000 250 دج إلى 000 500 دج كل من يقدم شكوى أو ادعاءات من هذا القبيل. وبذلك لم تبيّن الدولة الطرف بطريقة مقنعة إلى أي مدى تستطيع المحاكم المختصة، في حال تقديم شكوى والادعاء بالحق العام، تلقي هذه شكوى والبت فيها، وهو ما يعني أن تقديم هذه الشكوى مخالف لنص المادة 45 من الأمر، وإلى أي حد كذلك يكون صاحب الشكوى في مأمن من العقوبة المنصوص عليها في المادة 46 من الأمر. ووفقا ً لما تؤكده اجتهادات هيئات المعاهدات، فإن النظر في هذه الأحكام يقود بموضوعية إلى الاستنتاج بأن أي شكوى تتعلق بانتهاكات كالتي تعرضت لها صاحبة البلاغ وابنها سوف لن يتقرر عدم قبولها فحسب، بل إن أصحابها سوف يعاقبون عليها جنائيا ً . وتلاحظ صاحبة البلاغ أن الدولة الطرف لم تقدم أي مثال على قضية من القضايا التي تكون قد أفضت، رغم وجود الأمر المشار إليه، إلى مقاضاة فعلية للمسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في حالة مماثلة للحالة قيد النظر. وتخلص صاحبة البلاغ إلى أن سبل الانتصاف التي تشير إليها الدولة الطرف عديمة الجدوى.

6-6 وفيما يتعلق الأسس الموضوعية للبلاغ، تلاحظ صاحبة البلاغ أن الدولة الطرف اكتفت بسرد السياقات التي ربما شكلت الظروف التي اختفى فيها ضحايا المأساة الوطنية بشكل عام. وهذه الملاحظات العامة لا تنفي بحال من الأحوال الوقائع المزعومة التي تضمنها هذا البلاغ. بل إن تلك السياقات نجدها سُردت بطريقة مماثلة في سلسلة من القضايا الأخرى مما يبيّن أن الدولة الطرف تظل ترفض تناول هذه القضايا كل واحدة منها على حدة.

6-7 وفيما يتعلق بالحجة التي ساقتها الدولة الطرف ومؤداها أن من حقها أن تطلب فصل الإجراءات المتعلقة بالمقبولية عن تلك المتعلقة بالأسس الموضوعية للبلاغ، تشير صاحبة البلاغ إلى الفقرة 2 من المادة 97 من النظام الداخلي للجنة التي تنص على أن "بإمكان الفريق العامل أو المقرر الخاص، نظرا ً للطابع الاستثنائي للقضية، أن يطلب ردا ً مكتوبا ً يقتصر على تناول مسألة المقبولية." وبالتالي، فإن هذه الصلاحيات ليست من اختصاص صاحب البلاغ ولا الدولة الطرف وإنما من اختصاص الفريق العامل أو المقرر الخاص لا غير. وتعتبر صاحبة البلاغ أن الحالة قيد البحث لا تختلف في شيء عن بقية حالات الاختفاء القسري وأنه يتعين عدم فصل مسألة المقبولية عن مسألة الأسس الموضوعية.

6-8 وفي الأخير، تلاحظ صاحبة البلاغ أن الدولة الطرف لم تدحض الادعاءات التي ساقتها في بلاغها هذا. وتضيف أن التقارير العديدة التي تتحدث عن تصرفات قوات الأمن أثناء الفترة المعنية والخطوات العديدة التي قامت بها على إثر اختفاء ابنها تدعم ادعاءاتها وتزيدها مصداقية. ونظرا ً إلى أن المسؤولية عن اختفاء كمال جبروني تقع على عاتق الدولة الطرف، فلا يسع صاحبة البلاغ تقديم مزيد من المعلومات لدعم بلاغها، فالدولة الطرف هي وحدها التي تملك هذه المعلومات.

مداولات اللجنة

النظر في المقبولية

7 -1 قبل النظر في أي شكوى ترد في بلاغ ما، يتعين على لجنة حقوق الإنسان، وفقاً للمادة 93 من نظامها الداخلي، أن تبت في مقبولية البلاغ بموجب البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد.

7 -2 ويتعين على اللجنة أن تتأكد، بموجب الفقرة 2(أ) من المادة 5 من البروتوكول الاختياري، من أن المسألة ذاتها ليست ق ي د الدراسة أمام هيئة أخرى من هيئات التحقيق الدولي أو التسوية الدولية. وتلاحظ اللجنة أن اختفاء كمال جبروني أُبلغ إلى الفريق العامل التابع للأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري. إلاّ أنها تذكّر بأن الإجراءات أو الآليات الخارجة عن نطاق المعاهدات، التي وضعتها لجنة حقوق الإنسان أو مجلس حقوق الإنسان، والتي تتمثل ولايتها في دراسة حالة حقوق الإنسان في بلد أو إقليم ما وتقديم تقارير علني ة عن ذلك أو عن الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان في العالم، لا تندرج عموماً ضمن إجراءات دولية للتحقيق أو التسوية بالمفهوم الوارد في الفقرة 2(أ) من الم ادة 5 من البروتوكول الاختياري ( ) . وبالتالي، ترى اللجنة أن نظر الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي في قضية كمال جبروني لا يجعل البلاغ غير مقبول بمقتضى هذه المادة.

7 -3 وتلاحظ اللجنة أن الدولة الطرف ترى أن صاحبة البلاغ لم تستنفد سبل الانتصاف المحلية إذ إ نها لم تتوخ إمكانية عرض قضي تها على قاضي تحقيق و الادعاء بالحق المدني بناءً على المادتين 72 و73 من قانون الإجراءات الجزائية . وتلاحظ اللجنة فضلا ً عن ذلك أن الدولة الطرف ترى أن عدم قيام صاحبة البلاغ بخطوات من أجل إجلاء الادعاءات التي ساقتها لم يمكن السلطات الجزائرية حتى اليوم من اتخاذ موقف بشأن نطاق وحدود تطبيق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية. وأحاطت اللجنة علما ً بحجة صاحبة البلاغ التي مؤداها أن في اليوم التالي لاختفاء كمال جبروني، ذهب أخوه إلى مخفر الشرطة في الدائرة الثامنة بالجزائر العاصمة (سيدي محمد) واستفسر عن مصير أخيه؛ وأن أسرة الضحية توجهت بعد ذلك إلى مختلف محاكم الجزائر العاصمة لمعرفة ما إذا كان كمال جبروني قد قُدّم إلى مدع عام؛ وأن جلسة الاستماع إلى صاحبة البلاغ وابنها وشاهدين في مفرزة الدرك الكائنة في باب الجديد في 13 أيلول/سبتمبر 1 998 لم تؤد إلى إجراء أي تحقيق شامل. وتلاحظ اللجنة أن صاحبة البلاغ ترى أن المادة 63 من قانون الإجراءات الجزائية تنص على أن " يقوم ضباط الشرطة القضائية بالتحقيقات الابتدائية للجريمة بمجرد علمهم بوقوعها إما بناء على تعليمات وكيل الجمهورية وإما من تلقاء أنفسهم " . وتلاحظ اللجنة الحجة التي قدمتها صاحبة البلاغ ومؤداها أن السلطات المختصة هي التي يتعين عليها أن تبادر بالتحقيقات اللازمة في الوقائع الخطيرة كالتي ادعتها صاحبة البلاغ، وهو ما لم يحدث. وتلاحظ أيضا ً أن صاحبة البلاغ ترى أن المادة 46 من الأمر رقم 06-01 تعاقب كل من يقدم شكوى في إطار الأعمال المشار إليها في المادة 45 من هذا الأمر.

7-4 وتذكر اللجنة بأن الدولة الطرف ملزمة ليس فقط بإجراء تحقيقات شاملة في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان التي أُبلغت بها سلطاتها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر باختفاء قسري وانتهاك الحق في الحياة، ولكنها ملزمة أيضا ً بالملاحقة الجنائية لكل من يشتبه في أنه مسؤول عن تلك الانتهاكات ومحاكمته ومعاقبته . والحال أن أسرة الضحية أخطرت السلطات المختصة عدة مرات باختفاء كمال جبروني إلا أن جميع هذه الخطوات باءت بالفشل. ولم تجر الدولة الطرف أي تحقيق شامل ودقيق في اختفاء ابن صاحبة البلاغ رغم أن الأمر يتعلق بادعاءات خطيرة متصلة باختفاء قسري. وعلاوة على ذلك، لم تقدم الدولة الطرف معلومات تسمح بالاستنتاج أن سبيل انتصاف فعالا ً ومتاحا ً قائم بالفعل في الوقت الذي يستمر فيه العمل بالأمر 06-01 المؤرخ27 شباط/فبراير 2006 رغم توصيات اللجنة التي طلبت فيها جعل أحكام هذا الأمر منسجمة مع أحكام العهد ( ) . وتذكر اللجنة مجددا ً بآرائها السابقة التي ذهبت فيها إلى أن الادعاء بالحق المدني بشأن جرائم خطيرة مثل تلك المزعومة في هذه الحالة لا يمكن أن يكون بديلا ً عن الإجراءات القضائية التي كان يجب أن يتخذها مدعي الجمهورية نفسه ( ) . و علاوة على ذلك، فنظرا ً للطابع غير الدقيق لنص المادتين 45 و46 من الأمر المشار إليه أعلاه، ونظرا ً لعدم تقديم الدولة الطرف معلومات مقنعة بشأن تفسير نص المادتين وتطبيقه عمليا ً ، فإن المخاوف التي أعربت عنها صاحبة البلاغ من حيث العواقب المترتبة عن تقديم شكوى هي مخاوف معقولة. وتخلص اللجنة إلى أن الفقرة 2 ( ب) من المادة 5 من البروتوكول الاختياري ليست عائقا ً أمام مقبولية البلاغ.

7 - 5 وترى اللجنة أن صاحبة البلاغ عللت ادعاءاتها ب ما فيه ال كف ا ية من حيث إ ن هذه الادعاءات تثير مسائل تتعلق بالفقرة 1 من المادة 6 ، و المادة 7 ، والمادة 9 ، و الماد ة 10 ، و المادة 16 ، والفقرة 3 من المادة 2 من العهد، ومن ثم تنتقل اللجنة إلى ا لنظر في الأسس الموضوعية للبلاغ.

النظر في الأسس الموضوعية

8 -1 نظرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في هذا البلاغ آخذة في الحسبان جميع المعلومات التي قدمها الطرفان، وفقاً للفقرة 1 من المادة 5 من البروتوكول الاختياري.

8 -2 و كما سبق للجنة أن أكدت لدى النظر في بلاغات سابقة قدمت الدولة الطرف بشأنها ملاحظات مشتركة وعامة بشأن الادعاءات الخطيرة التي أثارها أصحاب تلك البلاغات، فإن الملاحظ هو أن الدولة الطرف اكتفت با لتأكيد على أن البلاغات التي تدع ي مسؤولية موظفين عموميين أو خاضعين في عملهم للسلطات العامة عن حالات الاختفاء القسري التي حدثت في الفترة موضع النظر، أي من عام 1993 إلى عام 1998، يجب أن تُعالج في إطار شامل ، كما يجب إعادة وضع الأحداث المزعومة في السياق الداخلي الاجتماعي السياسي والأمني لفترة كان على الحكومة أن تواجه فيها الإرهاب بشق الأنفس ؛ وتود اللجنة أن تذكر بملاحظات ها الختامية بشأن الجزائر التي أبدتها ف ي 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2007 ( ) وبآرائها السابقة ( ) التي ذهبت فيها إلى أنه لا يجوز للدولة الطرف أن تحتج بأحكام ميثاق السلم والمصالحة الوطنية ضد أشخاص يحتجون بأحكام العهد أو قدموا بلاغات إلى اللجنة أو يعتزمون تقديمها. ويبدو للجنة أن الأمر رقم 06 - 01 ب دون التعديلات التي أوصت بها اللجنة يعزز الإفلات من العقاب، ومن ثم لا يمكن، بصيغته الحال ي ة، أن يتوافق مع أحكام العهد.

8 -3 وتلاحظ أن الدولة الطرف لم ترد على ادعاءات صاحبة البلاغ بشأن الأسس الموضوعية وتذكر بآرا ئها ( ) التي قالت فيها إن عبء الإثبات يجب ألا يقع على عاتق صاحب البلاغ وحده، خاصة أن صاحب البلاغ لا يتساوى دائماً مع الدولة الطرف في إمكانية الحصول على عناصر الإثبات وأن المعلومات اللازمة تكون في أغلب الأحيان في حيازة الدولة الطرف فقط. وتشير الفقرة 2 من المادة 4 من البروتوكول الاختياري ضمنياً إلى أنه يجب على الدولة الطرف أن تحقق بحسن نية في جميع الادعاءات الواردة بشأن انتهاكها وانتهاك ممثليها أحكام العهد وأن تحيل المعلومات التي تكون في حيازتها إلى اللجنة ( ) . ونظرا ً إلى عدم تقديم الدولة الطرف أي توضيح بهذا الخصوص، فلا بد من إيلاء ادعاءات صاحبة البلاغ الاهتمام الواجب شريطة أن تكون معللة بما فيه الكفاية.

8 -4 وتلاحظ اللجنة أن صاحبة البلاغ ترى أن ابنها اختفى منذ اعتقاله في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1994 وأن السلطات نفت على الدوام أن يكون محتجزا ً لديها رغم القبض عليه بحضور شهود. وتلاحظ أن صاحبة البلاغ ترى أن حظوظ العثور على كمال جبروني حيا ً يرزق تتضاءل يوما ً بعد يوم وأن طول غيابه مدعاة للاعتقاد بأنه فارق الحياة أثناء وجوده في المعتقل؛ وأن احتجازه في مكان سري ينطوي إلى حد كبير جدا ً على خطر انتهاك حقه في الحياة، لأن السجين يجد نفسه بذلك، بصرف النظر عن طبيعة الظروف التي يمر بها، تحت رحمة سجانيه الذين يفلتون من أي شكل من أشكال المراقبة. وتلاحظ اللجنة أن الدولة الطرف لم تقدم أي حجة لدحض هذا الادعاء. وتخلص اللجنة إلى أن الدولة الطرف أخلت بواجبها ضمان حق كمال جبروني في الحياة، وفي ذلك انتهاك للمادة 6 من العهد ( ) .

8 -5 و تقر اللجنة بأن الاعتقال دون التواصل مع العالم الخارجي طوال مدة غير محددة يسبب درجة عالية من المعاناة. وتذكر بتعليقها العام رقم 20 بشأن المادة 7، حيث أوصت الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لمنع الاعتقال في أماكن سرية. وتلاحظ في هذا الصدد أن كمال جبروني اعتقل في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1994 وأن مصيره لا يزال مجهولا ً إلى يومنا هذا. ونظرا ً لعدم تقديم الدولة الطرف توضيح وجيه بهذا الخصوص، فإن اللجنة تخلص إلى أن هذا الاختفاء يشكل انتهاكاً للمادة 7 من العهد في حق كمال جبروني ( ) .

8 -6 وتحيط اللجنة علما ً بما عانته صاحبة البلاغ من قلق وضيق جراء اختفاء كمال جبروني. وتعتبر أن الوقائع المعروضة عليها تكشف عن وقوع انتهاكٍ للمادة 7 من العهد في حق صاحبة البلاغ ( ) .

8 -7 وفيما يتعلق بادعاء انتهاك المادة 9، يتبين من مزاعم صاحبة البلاغ أن كمال جبروني اعتُقل دون أمر قضائي ودون إطلاعه على أسباب اعتقاله؛ وأنه لم يبلَّغ في أي وقت من الأوقات بالتهم الجنائية الموجهة إليه؛ وأنه لم يقدَّم البتة أمام قاض أو سلطة قضائية للطعن في مشروعية اعتقاله الذي يمتد لفترة غير محددة. ونظرا ً لعدم تقديم الدولة الطرف توضيحات وجيهة بهذا الخصوص، تخلص اللجنة إلى أن المادة 9 من العهد قد انتهكت في حق كمال جبروني ( ) .

8 -8 وفيما يتعلق بادعاء صاحبة البلاغ بموجب الفقرة 1 من المادة 10، تؤكد اللجنة مجددا ً أن الأشخاص المحرومين من الحرية يجب ألا يتعرضوا لأي حرمان أو إكراه عدا ما هو ملازم للحرمان من الحرية، وأنه يجب أن يعاملوا بإنسانية واحترام لكرامتهم. و نظرا ً لاعتقال الضحية في مكان سري ونظرا ً كذلك إلى عدم تقديم الدولة الطرف معلومات بهذا الخصوص، تستنتج اللجنة أن ا لفقرة 1 من المادة 10 من العهد قد انتهكت ( ) .

8 -9 أما عن التظلم المتعلق بانتهاك المادة 16، فإن اللجنة تكرر آراءها الثابتة ومؤداها أن حرمان شخص ما عمداً من حماية القانون لفترة م طولة يمكن أن يشكل رفضا ً للاع تراف بشخصيته القانونية إذا كان هذا الشخص في قبضة سلطات الدولة عند ظهوره للمرة الأخيرة، وإذا كانت جهود أقاربه الرامية إلى الوصول إلى سبل انتصاف فعالة، بما في ذلك المحاكم ، تعترضها بانتظام معوقات (الفقرة 3 من المادة 2 من العهد) ( ) . وفي القضية قيد البحث ، تلاحظ اللجنة أن الدولة الطرف لم تقدم توضيحات وجيهة بشأن الادعاءات التي ساقتها صاحبة البلاغ التي تؤكد أنها لا تعرف شيئا ً عما آل إليه مصير ابنها. وتستنتج اللجنة مع ذلك أن اختفاء كمال جبروني قسرا ً منذ ما يقرب من 17 عاما ً حرمه من حماية القانون وحرمه من حقه في الاعتراف بشخصيته القانونية، و في ذلك انتهاك للمادة 16 من العهد.

8 -10 وت دفع صاحبة البلاغ ب الفقرة 3 من المادة 2 من العهد التي تلزم الدول الأطراف بأن تكفل سبيل انتصاف فعالا ً لجميع الأشخاص الذين انتهكت حقوقهم المكفولة بموجب العهد. وت علق اللجنة أهمية على قيام الدول الأطراف بإنشاء آليات قضائية وإدارية مناسبة لمعالجة الدعاوى المتصلة بانتهاك ات الحقوق. وتذكر بتعليقها العام رقم 31 (2004) حيث تشير على وجه الخصوص إلى أن تقاعس دولة طرف عن التحقيق في انتهاكات مزعومة قد يفضي، في حد ذاته، إلى انتهاك قائم بذاته للعهد. وفي الحالة الراهنة، فقد أخطرت أسرة الضحية السلطات المختصة عدة مرات باختفاء كمال جبروني إلا أن جميع الخطوات التي قامت بها أسرة الضحية باءت بالفشل وأن الدولة الطرف لم تجر أي تحقيق شامل ودقيق في قضية اختفاء ابن صاحبة البلاغ. وعلاوة على ذلك، فإن الاستحالة القانونية للجوء إلى هيئة قضائية بعد صدور الأمر رقم 06-01 المتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية لا تزال تحرم كمال جبروني وصاحبة البلاغ من أي إمكانية للوصول إلى انتصاف فعال ذلك أن هذا الأمر يمنع، تحت طائلة السجن، من اللجوء إلى العدالة لكشف ملابسات الجرائم الأكثر خطورة مثل حالات الاختفاء القسرية ( ) . وتستنج اللجنة من ذلك أن الوقائع المعروضة عليها تكشف عن و ق و ع انتهاك للفقرة 3 من المادة 2، مقروءة بالاقتران مع الفقرة 1 من المادة 6 ، والمادة 7، والمادة 9، والفقرة 1 من المادة 10، والمادة 16 من العهد في حق كمال جبروني؛ وانتهاك الفقرة 3 من المادة 2، مقروءة بالاقتران مع المادة 7 من العهد في حق صاحبة البلاغ .

9 - وتلاحظ اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، عملاً بالفقرة 4 من المادة 5 من البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، أن الوقائع المعروضة عليها تكشف عن انتهاكات من جانب الدولة الطرف ل لفقرة 1 من ا لمادة 6 ؛ والمادة 7؛ والمادة 9؛ والفقرة 1 من المادة 10؛ والمادة 16؛ والفقرة 3 من المادة 2 مقروءة بالاقتران مع الفقرة 1 من المادة 6؛ والمادة 7؛ والمادة 9؛ والفقرة 1 من المادة 10؛ والمادة 16 من العهد في حق كمال جبروني، والمادة 7 مقروءة منفردة ومقترنة مع الفقرة 3 من المادة 2 من العهد في حق صاحبة البلاغ .

10 - ووفقا ً للفقرة 3 من المادة 2 من العهد، يتعين على الدولة الطرف أن تكفل لصاحبة البلاغ سبيل انتصاف فعال ا ً ، يشمل على الخصوص ما يلي: (أ)  إجراء تحقيق شامل ودقيق في اختفاء كمال جبروني ؛ (ب) و تزويد صاحبة البلاغ بمعلومات مفصلة عن نتائج تحقيقها؛ (ج) و الإفراج عنه فوراً إذا كان لا يزال محبوسا ً في مكان سري ؛ (د) و إعادة جث ة كمال جبروني إلى أسرته في حال ة وفاته ؛ ( ) و ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة ومحاكمتهم ومعاقبتهم؛ (و) و تقديم تعويض مناسب إلى صاحبة البلاغ عن الانتهاكات التي تعرضت لها وكذلك إلى كمال جبروني إ ن كان على قيد الحياة. و بغض النظر عن الأمر رقم 06-01، يتعين على الدولة الطرف أيضا ً أن تحرص على عدم إعاقة ممارسة الحق في انتصاف فعال بالنسبة لضحايا الجرائم من قبيل التعذيب والإعدام خارج إطار القانون والاختفاء القسري. والدولة الطرف ملزمة علاوة على ذلك ب اتخاذ التدابير اللازمة لمنع حدوث انتهاكات مماثلة في المستقبل.

11 - وبما أن الدولة الطرف اعترفت، بانضمامها إلى البروتوكول الاختياري، باختصاص اللجنة في تحديد ما إذا كان هناك انتهاك للعهد، وأنها تعهدت، بموجب المادة 2 من العهد، بأن تكفل لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والمشمولين بولايتها الحقوق المعترف بها في العهد وبأن تضمن لهم سبيل انتصاف فعالاً و قابل للتنفيذ في حالة ثبوت وقوع انتهاك، فإن اللجنة تود أن تتلقى من الدولة الطرف، في غضون 180 يوماً، معلومات عما اتخذته من تدابير لوضع آراء اللجنة موضع التنفيذ. كما تدعو اللجنة الدولة الطرف إلى نشر هذه ال آراء.

[اعتُمدت بالإسبانية والإنكليزية والفرنسية ، علماً بأن النص الفرنسي هو النص الأصلي. وستصدر لاحقاً بالروسية والصينية والعربية كجزء من تقرير اللجنة السنوي إلى الجمعية العامة.]

تذييل

رأي فردي (مخالف) ل لسيد كريستر ثيلين ، يؤيده في ذلك السيد مايكل أوفلاه رتي

لقد لاحظت اللجنة وقوع انتهاك مباشر للماد ة 6 من العهد مستنتجةً أن الدولة الطرف أخلت بواجبها كفالة حق كمال جبروني ومراد شيهوب في الحياة. و هذا استنتاج لا أوافق عليه للأسباب التالية.

إن الآراء السابقة للجنة المكرسة منذ أمد بعيد في قضايا الاختفاء القسري، حيث يتعذر تأويل الوقائع بالجزم بوفاة الضحية، شددت على واجب الدولة الطرف كفالة الحماية وضمان سبل انتصاف فعالة وقابلة للتنفيذ بموجب الفقرة 3 من المادة2، وبالتالي لم تشر إلى الفقرة 1 من المادة 6 إلا مقروءة بالاقتران مع هذه الأحكام. وقد أكدت اللجنة مؤخرا ً هذا الأسلوب في تناول المسألة في قضيتي اختفاء قسري مقدمتين ضد نفس الدولة الطرف وتندرجان في نفس السياق الوقائعي (أ) .

والحال أن اللجنة، في القضية قيد البحث، توصلت، دون الخوض في نقاش ما ودون حتى الإشارة إلى الحجج التي سيقت في القضية (ب) ، إلى استنتاج منسجم مع الموقف الذي اتخذته حتى حينه أقلية من أعضاء اللجنة فقط، أي القول بوقوع انتهاك مباشر للفقرة 1 من المادة 6 دون إقران هذه الفقرة بالفقرة 3 من المادة 2.

وهذا التأويل الواسع للحق في الحياة المكفول بموجب العهد أرى أنه يضع اللجنة في مسار مجهول، يقود في المستقبل إلى استنتاج وقوع انتهاكات مباشرة للمادة 6، بصرف النظر عن افتراض بقاء الضحية على قيد الحياة، في مختلف الظروف حتى خارج سياق الاختفاء القسري. وكان على الأغلبية، على أقل تقدير، تقديم أسباب تبرر هذا التوجه الجديد لتسويغ القول بوقوع انتهاكات للمادة 6.

(توقيع) كريستر ثيلين

(توقيع) مايكل أوفلاه رتي

[حرر بالإسبانية والإنكليزية والفرنسية، علماً بأن النص الإنكليزي هو النص الأصلي. وس ي صدر لاحقاً بالروسية والصينية والعربية كجزء من تقرير اللجنة السنوي إلى الجمعية العامة.]

رأي فردي ( موافق ) ل لسيد فابيان سالفيولي ، يؤيده في ذلك السيد كورنيليس فلينترمان

1- أتَّفِق كليةً مع قرار اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في قضية جبروني ضد الجزائر (البلاغ رقم 178 1 /2008) ، الذي يؤكد وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان راح ضحيتها كمال جبروني وأمه، السيدة فاطمة برزيق، بسبب اختفاء هذا الشخص قسرا ً .

2- لكنني أعتبر ، للأسباب التي سأسوقها أدناه ، أنه كان على اللجنة أن تستنتج أيضا ً أن الدولة الطرف مسؤولة عن انتهاك الفقرة 2 من المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وأخيرا ً ، كان على اللجنة أيضا ً أن تشير إلى أن الدولة الطرف يجب عليها، في نظر اللجنة، تعديل أحكام الأمر رقم 06-01 لكي تكفل عدم تكرار هذه الأعمال.

( أ) اختصاص اللجنة في استنتاج حدوث انتهاكات لمواد لم يُحتج بها في الشكوى

3 - ما فتئتُ أؤكد، منذ انضمامي لعضوية اللجنة، أن اللجنة قد قيّدت بن ف سها، على نحو غير مفهوم، قدرتها على تبيّن انتهاك أحكام العهد في حال عدم وجود تظلم قانوني محدد. ففي كل مرة تكشف فيها الوقائع بوضوح أن انتهاكا ً قد وقع، يمكن للجنة بل يجب عليها - بمقتضى مبدأ المحكمة تعرف القانون - أن تنظر في الإطار القانوني للقضية. والأسس القانونية لهذا الموقف وتعليل سبب عدم اقتضاء ذلك أن الدول سوف تترك دون دفاع معروضة في الرأي المخالف جزئيا ً الذي أبديته في قضية وراونزا ضد سري لانكا (الفقرتان 3 و5)، وأحيل إلى ذلك الرأي لتفادي تكراره (أ) .

4 - و على أية حال، ينبغي التأكيد أن صاحبة البلاغ تدعي صراحة، في القضية قيد البحث ( جبروني ضد الجزائر )، وقوع انتهاك للمادة 2 (انظر مثلا ً الفقرتين 1-1 و3-12) حتى وإن كانت الأحكام التي تتحجج بها هي أحكام الفقرة 3 من المادة.

( ب ) انتهاك الفقرة 2 من المادة 2 من العهد

5 - قد تنشأ المسؤولية الدولية للدولة بفعل جملة عوامل منها عمل أو ت قصير إحدى سلطات الدولة، لا سيما سلطتها التشريعية بطبيعة الحال، أو أي سلطة أخرى تملك صلاحية سن قوانين وفقا ً للدستور. وتنص الفقرة 2 من المادة 2 من العهد على أن " تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلا ً إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ، طبقا ً لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضروريا ً لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية " . وإذا كان الالتزام المقرر بموجب الفقرة 2 من المادة 2 ذا طابع عام فإن الإخلال بهذا الالتزام قد يحمِّل الدولة مسؤولية دولية.

6 - وهذا الحكم تنفيذي بذاته. وقد أكدت اللجنة بوجه حق في تعليقها العام رقم 31 أن " الالتزامات المنصوص عليها في العهد بصورة عامة، وفي المادة 2 بصورة خاصة، ملزِمة لكل دولة من الدول الأطراف. ذلك أن جميع فروع الحكومة (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وغيرها من السلطات العامة أو الحكومية، على أي مستوى من المستويات - الوطنية أو الإقليمية أو المحلية - هي ذات وضع يستتبع مسؤولية الدولة الطرف " (ب) .

7 - ومثلما أن الدول الأطراف في العهد ملزمة باتخاذ تدابير تشريعية لإعمال الحقوق، فإنها تتحمل أيضا ً التزاما ً سلبيا ً ، بمقتضى الفقرة 2 من المادة 2، بعدم اتخاذ تدابير منافية للعهد؛ لأن اتخاذها مثل هذه التدابير يشكل في حد ذاته انتهاكا ً للالتزامات المنصوص عليها في الفقرة 2 من المادة 2.

8- لقد صدّقت الجزائر على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في 12 أيلول/سبتمبر 1989؛ وبذلك تكون قد تعهدت باحترام جميع أحكام العهد، وبالتالي الوفاء بجميع الالتزامات المنصوص عليها في المادة 2 والناشئة عن أحكام هذه المادة. وفي التاريخ نفسه، أي 12 أيلول/سبتمبر 1989، انضمت الدولة الطرف إلى البروتوكول الاختياري، معترفةً بذلك باختصاص اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تلقي بلاغات الأفراد والنظر فيها.

9- وفي البلاغ قيد البحث، تتمتع اللجنة بجميع الصلاحيات المطلوبة لبحث الإطار القانوني الذي تندرج في ه الوقائع المعروضة عليها: فقد أقرت الدولة الطرف في 27 شباط/ فبراير 2006 الأمر رقم 06-01 الذي يمنع اللجوء إلى العدالة لإجلاء ملابسات الجرائم الأكثر خطورة كالاختفاء القسري، وهو ما يكفل إفلات المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من العقاب. وما من شك أن الدولة الطرف قد وضعت، باعتمادها هذا النص التشريعي، قاعدة مخالفة للالتزام المنصوص عليه في الفقرة 2 من المادة 2 من العهد، وهو ما يشكل انتهاكا ً في حد ذاته، كان من المفروض أن تبيّنه اللجنة في قرارها علاوة على الانتهاكات التي أثبتتها، نظرا ً لأن صاحبة البلاغ وابنها وقعا ضحايا - في جملة أمور أخرى - هذا النص التشريعي.

10- وتنطبق هذه الأحكام في الحالة قيد البحث انطباقا ً مباشراً ، وبالتالي فإن استنتاج انتهاك الفقرة 2 من المادة 2 في قضية جبروني ليست مسألة مجردة ولا مجرد استعراض خطابي. وفي الأخير، ينبغي ألا ننسى أن الانتهاكات التي تثبتها اللجنة لها أثر مباشر على التعويضات التي يتعين عليها أن تطلبها عند البت في كل بلاغ.

( ج) التعويض المستحق في قضية جبروني

11- تقدم الفقرة 10 من قرار اللجنة خير مثال على النهج المتكامل في معالجة مسألة الجبر: فقد طُلب اتخاذ تدابير غير مالية لرد الحقوق والترضية وضمان عدم التكرار (التحقيق الشامل في الوقائع، والإفراج عن الضحية إن كان حيا ً ، وتسليم جثته إن كان ميتا ً ، ومقاضاة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة ومحاكمتهم ومعاقبتهم)؛ وطلبت اللجنة في قرارها أيضا ً اتخاذ تدابير مالية للجبر (تقديم تعويض مناسب لصاحبة البلاغ على الانتهاكات المرتكبة وكذلك لكمال جبروني إن كان على قيد الحياة).

12- بيد أن اللجنة أشارت، في نهاية الفقرة 10، إلى أنه " بغض النظر عن الأمر رقم 06-01، يتعين على الدولة الطرف أيضا ً أن تحرص على عدم إعاقة ممارسة الحق في انتصاف فعال بالنسبة لضحايا الجرائم من قبيل التعذيب والإعدام خارج إطار القانون والاختفاء القسري. والدولة الطرف ملزمة علاوة على ذلك ب اتخاذ التدابير اللازمة لمنع حدوث انتهاكات مماثلة في المستقبل ".

13- وهذه الفقرة لا تترك مجالا ً للشك: فاللجنة تعتبر أن أحكام الأمر رقم 06-01 غير متوافقة مع أحكام العهد وتطلب من الدولة أن تكفل للضحية سبيل انتصاف فعالا ً ، " بغض النظر عن أحكام هذا الأمر " . وعليه ... هل اللجنة بصدد القول إن على الجهاز القضائي ألا يطبق أحكام هذا الأمر الذي يحول دون إجراء تحقيق في الوقائع التي تشكل انتهاكا ً جسيما ً لحقوق الإنسان؟

14- والجواب نعم؛ فالجهاز القضائي ملزم بإجراء عملية "فحص مدى التوافق" والامتناع عن تطبيق أية أحكام داخلية غير متوافقة مع أحكام العهد. وذلك أمر أساسي ليس فقط للوفاء بالالتزامات في مجال حقوق الإنسان بل أيضا ً لتفادي تحميل الدولة مسؤولية على الصعيد الدولي.

15- على أن العهد لا يلزم الجهاز القضائي فقط، فهو ملزم أيضا ً للسلطات الأخرى التابعة للدولة والتي يتعين عليها اتخاذ التدابير اللازمة لضمان حماية حقوق الإنسان، وتشير الفقرة 2 من المادة 2 صراحة إلى " التدابير التشريعية " .

16- وما السبيل لضمان عدم تكرار الوقائع؟ هناك مجموعة كاملة من التدابير التي يمكن للدولة اتخاذها (تدريب الموظفين الحكوميين في مجال حقوق الإنسان، ولا سيما أفراد الشرطة والقوات المسلحة، واتخاذ تدابير عمل فعالة في حالات دعاوى الاختفاء القسري، واتخاذ مبادرات لتذكر ما حدث، إلخ.). وكان على اللجنة قطعا ً ، دون المساس بكل ذلك، أن تذكُر في الفقرة 10 من قرارها أن على الدولة الجزائرية أن تعدّل تشريعها المحلي المطعون فيه (الأمر رقم 06-01 الصادر في 27 شباط/فبراير 2006) بحيث تجعله متوافقا ً مع الالتزامات الناشئة عن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فالحفاظ على سريان مفعول تشريع غير متوافق في حد ذاته مع أحكام العهد لا ينسجم مع المعايير الدولي ة الراهنة في م ج ا ل جبر انتهاكات حقوق الإنسان.

(توقيع) فابيان سالفيولي

(توقيع) كورنيليس فلينترمان

[حرر بالإسبانية والإنكليزية والفرنسية، علماً بأن النص الإسباني هو النص الأصلي. وس ي صدر لاحقاً بالروسية والصينية والعربية كجزء من تقرير اللجنة السنوي إلى الجمعية العامة.]