اللجنة المعنية بحقوق الإنسان
آراء اعتمدتها اللجنة بموجب المادة 5(4) من البروتوكول الاختياري، بشأن البلاغ رقم 2157/2012 * **
المقدم من: رفيق بلعمرانية (تمثله مؤسسة الكرامة)
الشخص المدعى أنه ضحية: محمد بلعمرانية (والد صاحب البلاغ) وصاحب البلاغ نفسه
الدولة الطرف: الجزائر
تاريخ تقديم البلاغ: 9 أيار/مايو 2012 (تاريخ الرسالة الأولى)
الوثائق المرجعية: القرار المتخذ عملاً بالمادة 97 من النظام الداخلي للجنة، والمحال إلى الدولة الطرف في 11 حزيران/ يونيه 2012 (لم يصدر في شكل وثيقة)
تاريخ اعتماد الآراء: 27 تشرين الأول/أكتوبر 2016
الموضوع: الإعدام بإجراءات موجزة
المسألة الإجرائية: عدم تعاون الدولة الطرف
المسائل الموضوعية: الحق في سبيل انتصاف فعال؛ والحق في الحياة؛ وحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية
مواد العهد: 2(3) و6(1) و7
مواد البروتوكول الاختياري: 5(2)(ب)
1-1 صاحب هذا البلاغ هو رفيق بلعمرانية ، وهو مولود في 22 تموز/يوليه 1979 في الطاهير بولاية جيجل (الجزائر)، ويقيم في مدينة الجزيرة، ببلدية القنار نُشفي، في ولاية جيجل (الجزائر). وتمثله مؤسسة الكرامة.
1-2 ويقدم صاحب البلاغ هذا البلاغ نيابة عن والده، محمد بلعمرانية ، المولود في عام 1951 الذي أوقفته القوات الخاصة للجيش الجزائري في منزله يوم 13 تموز/يوليه 1995، وأُعدم بإجراءات موجزة بعد بضعة أيام في تاريخ غير محدد.
1-3 وفي 11 حزيران/يونيه 2012، ذكّرت اللجنة الدولة الطرف، مشيرة إلى المادة 92 من نظامها الداخلي، بأن الحق في تقديم البلاغات لا يخضع لأحكام القانون الداخلي، وأنه لا يسع الدولة الطرف من ثم الاحتجاج بالتشريعات الوطنية، لا سيما الأمر رقم 06-01 المتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، في مواجهة صاحب البلاغ وأفراد أسرته ( )( ) .
الوقائع كما عرضها صاحب البلاغ
2-1 يؤكد صاحب البلاغ أن ولاية جيجل شهدت، على غرار مدن وأرياف جزائرية عديدة، انتهاكات منهجية وجسيمة لحقوق الإنسان. وجيجل منطقة جبلية في شرق البلد. وخلال التسعينات، تعرض آلاف الأشخاص فيها للإعدام بإجراءات موجزة والتوقيف التعسفي والاختفاء القسري. ويضيف صاحب البلاغ أن هذه المنطقة المعزولة سادها الرعب طيلة سنوات النزاع حيث شهدت حضوراً عسكرياً قوياً، مما يفسّر بلا أي شك عدم الإبلاغ سوى عن القليل مما ارتُكب من حالات إعدام كثيرة بإجراءات موجزة. وفي أغلب الحالات، كان الخوف من انتقام السلطات يحول دون اتخاذ الأسر تدابير من أجل العثور على أقاربها المختفين.
2-2 وأفادت شهادات أفراد من عائلة الضحية أن قرابة ثلاثين من عناصر فيلق المظليين الخامس التابع للجيش الوطني الشعبي الجزائري، المدججين بالسلاح والمرتدين للزي العسكري، داهموا منزل الضحية حوالي الساعة 30/21 من ليلة 13 إلى 14 تموز/يوليه 1995 وألقوا القبض على محمد بلعمرانية . وكان يصحبهم شخصان أخفيا وجهيهما بقبعتين ويُعتقد أنهما مخبران من القرية دلّاهم على المكان.
2-3 وطلب العساكر من محمد بلعمرانية أن يخرج من المستودع سيارة خدمته ‘ بوجو 404‘ (Peugeot404)، فركب اثنان منهم بجانب الضحية وطلبوا منه أن يقود في اتجاه الثكنة. وغادر بقية العساكر مترجلين نحو الثكنة الموجودة في وسط القرية، في مركز تجاري صادره الجيش الجزائري على بُعد 100 متر فقط من منزل الضحية.
2-4 وسألت زوجة الضحية الضابط قائد العملية لمعرفة أسباب هذ ا التوقيف ومكان اقتياد زوجها؛ وردّ الضابط بالقول إنه سيخضع لاستجواب بسيط في ثكنة القرية، وسيُطلق سراحه بسرعة بعد انتهاء الاستجواب. لكن صرخات محمد بلعمرانية وتوسلاته سُمعت طوال الليل في جميع أرجاء القرية وحتى في منزل أسرته، مما دل بوضوح على خضوعه للتعذيب.
2-5 وبعد ظهر اليوم التالي، نُقل محمد بلعمرانية إلى وجهة غير معروفة في موكب مراكب عسكرية بصحبة مدنيين آخرين كانوا محتجزين أيضاً في المركز التجاري ذاته.
2-6 وبعد بضعة أيام، أطلق سراح أشخاص كثيرين من سكان القرية ذاتها كانوا قد اعتقلوا مع الضحية، وذلك عقب تدخّل ضابط سام في الجيش يدعى العقيد ب. ب. من أقارب هؤلاء ( ) . وأخبر هؤلاء الأشخاص عائلة محمد بلعمرانية بأنهم كانوا محتجزين إلى حين الإفراج عنهم في ثكنة الميلية العسكرية، على بُعد حوالي 50 كيلومتراً من القرية. وأوضح هؤلاء الأشخاص أيضاً أن محمد بلعمرانية والعديد من الأشخاص الآخرين الموقوفين في الظروف ذاتها كانوا ما يزالون موجودين في مركز الاحتجاز العسكري وقت الإفراج عنهم.
2-7 وفي اليوم التالي، توجهت زوجة الضحية، مصحوبة بشقيقه الأكبر، يوسف بلعمرانية ، إلى ثكنة الميلية لاستيضاح مصير زوجها وطلب الإفراج عنه. وهناك أخبرهم الضابط ال مناوب على مدخل الثكنة بعدم احتجاز أي شخص داخلها، وأمام إصرارهما هددهما "بتصفيتهما" إن هما ألحا في السؤال.
2-8 وفي الأيام التالية، حاولت زوجة الضحية وأفراد عائلته الآخرون مراراً الاتصال بالسلطات العسكرية المحلية لإبلاغها بتوقيف محمد بلعمرانية وطلب تدخلها للإفراج عنه. وباءت كل محاولاتهم بالفشل.
2-9 وفي 24 تموز/يوليه 1995، أي بعد مضي 11 يوماً على توقيف محمد بلعمرانية ، عَلِم شقيقه يوسف بلعمرانية من أحد أقاربه بأن جثثاً عديدة لأشخاص أُعدموا بإجراءات موجزة على أيدي مظليي الفيلق الخامس المرابط بثكنة الميلية قد ألقي بها على قارعة الطريق في منطقة تنفدور ، وأن إحدى الجثث لشخص ذي شعر أشقر فاتح يمكن أن يكون أخاه. عندها ذهب يوسف بلعمرانية إلى عين المكان مصحوباً بأقارب آخرين، وتمكن بالفعل من التعرف على أخيه، محمد بلعمرانية ، من بين جثث عديدة مشوهة كانت ملقاة على قارعة الطريق الوطنية. وكانت يدا الضحية موثقتين خلف ظهره بسلك حديدي وجسده مخرماً بالرصاص ويحمل آثار تعذيب واضحة. وكانت كل الجثث التي عُثر عليها هناك تحمل أيضاً آثار التعذيب والتمثيل بها.
2-10 وتوجه يوسف بلعمرانية على الفور إلى المقر المركزي لشرطة الميلية ، حيث أبلغ السلطات بالعثور على جثث مشوهة من بينها جثة أخيه. وبعد طول انتظار، أوعزت الشرطة إلى خدمات الحماية المدنية بنقل جثث الضحايا الكثيرين إلى غرفة أموات مستشفى الميلية المحلي.
2-11 وتوجه يوسف بلعمرانية أيضاً إلى محكمة الميلية لإبلاغ وكيل الجمهورية بالعثور على جثث ضحايا قتلوا بالرصاص، آملاً بذلك في استثارة ردة فعل من القاضي. وأعلمه بأن العديد من الشهود على عِلم بتعرض عدد كبير من الضحايا للإعدام الجماعي على أيدي عساكر فيلق المظليين على قارعة الطريق الرئيسية. واكتفى القاضي بإحالة أقارب الضحية إلى غرفة أموات المستشفى مرة أخرى للتعرف رسمياً على الجثث بحضور الشرطة.
2-12 وبعد التعرف على الجثة، طلبت عائلة الضحية إجراء تشريح للتحديد القانوني لأسباب الوفاة ثم إعادة الجثة إليها لدفن الضحية في مقبرة القنار . وعندها طلب ضباط الشرطة المكلفون من وكيل الجمهورية دفع مبلغ 000 120 دينار جزائري مقابل إعادة الجثة، إلى جانب توقيع اعتراف كتابي بأن الضحية كان ينتمي إلى جماعة إرهابية. ويؤكد صاحب البلاغ أن هذه الممارسة الابتزازية شائعة بصفة خاصة في البلد، وأن مصالح الأمن الجزائرية تمارس ابتزازاً فعلياً على عائلات الضحايا ال ذين أعدموا بإجراءات موجزة.
2-13 وأمام احتجاجات أفراد العائلة جميع اً ورفضهم دفع المبلغ الذي طلبته الشرطة أو توقيع الاعتراف المطلوب، رُدت إليهم الجثة في نهاية المطاف دون إجراء أي تشريح. وقد ختمت الشرطة التابوت مع منع فتحه، واستلمت العائلة إذناً بالدفن صادراً عن وكيل الجمهورية في منطقة الميلية ، مشفوع اً بإذن بنقل الجثة ( ) .
2-14 ورغم أن الأمر يتعلق بوفاة عنيفة وواجب أن تأمر النيابة بالتشريح في تلك الحالات، ووري جسد الضحية التراب في مقبرة القنار دون إجراء التشريح الذي طلبته الأسرة ( ) .
2-15 وترك الضحية أرملة وعشرة أبناء جميعهم قصر. وكان أكبرهم، رفيق بلعمرانية ، صاحب هذا البلاغ يبلغ من العمر 16 سنة بينما كانت صغرى أخواته لم تتجاوز الثالثة من العمر في ذلك الوقت. وفي مناخ الرعب الذي كان يسود المنطقة وقتها، كان يصعب على زوجة الضحية بصورة خاصة اتخاذ جميع التدابير الضرورية لإثبات إعدام زوجها بإجراءات موجزة على أيدي أفراد في الجيش الجزائري. لذا حاول شقيق الضحية، يوسف بلعمرانية ، اتخاذ تدابير لإثبات قتل أخيه والحصول على شهادة وفاة تُقيد في سجل الحالة المدنية لبلدية القنار . وهكذا توجه بعد دفن أخيه ببضعة أيام إلى نيابة الميلية طالباً فتح تحقيق في وفاة محمد بلعمرانية . ولما أشار عليه وكيل الجمهورية بتقديم طلب كتابي، رفع إليه يوسف بلعمرانية في 1 آب/أغسطس 1995 شكوى رسمية مشفوعة بطلب تسجيل وفاة أخيه في سجلات الحالة المدنية ( ) .
2-16 وعند استلام هذا الطلب، اكتفى وكيل الجمهورية بمحكمة الميلية ، ذات الاختصاص الإقليمي، بالأمر بتسجيل الوفاة في سجلات الحالة المدنية دون أن يطلب فتح تحقيق وملاحقة المسؤولين عن الجريمة ( ) .
2-17 ويشير صاحب البلاغ إلى أنه استنفد جميع سبل الانتصاف المتاحة من دون أن يجدي أي منها نفعاً. وكان سبيل الانتصاف الوحيد المتاح للعائلة في قضية الإعدام خارج نطاق القضاء هذه يقتصر على اللجوء إلى النيابة ذات الاختصاص الإقليمي وتوجيه شكوى رسمية إليها مع طلب فتح تحقيق. وقد أودع شقيق الضحية، يوسف بلعمرانية ، شكوى رسمية واقترح على النيابة الاستماع إلى الشهود العديدين المستعدين للإفادة بأنهم رأوا العساكر ينقلون أشخاصاً عديدين على متن شاحنة تغادر الثكنة. ورأى شهود أخرون أيضاً العساكر يصُفُّون أشخاص اً عديدين على قارعة الطريق، كانوا جميعهم مقيدي اليدين خلف الظهر بأسلاك حديدية، ويعدمونهم بإجراءات موجزة بإطلاق وابل من الرصاص عليهم باستعمال أسلحة أوتوماتيكية في بلدة تنفدور ( الميلية ). ومع ذلك لم تأخذ النيابة قط بهذه الإفادات ولم تستجب إلى طلبات العائلة. وتوجه شقيق الضحية مراراً إلى النيابة لمعرفة ما وصلت إليه شكواه لكنه لم يحصل على أي معلومات ولم يُفتح أي تحقيق.
2-18 ووجدت حمامة لعوَر، أرملة محمد بلعمرانية ، نفسها وحيدة في تربية أبنائها القصر العشرة وتلبية احتياجاتهم بعد وفاة زوجها الذي كان معيل الأسرة الوحيد. وفي عام 2006، في أعقاب اعتماد الأمر المتعلق بالمصالحة الوطنية والقاضي بتقديم تعويضات إلى "ضحايا المأساة الوطنية"، طلبت الأرملة إلى السلطات أن تمنحها تعويضاً، مشيرة إلى أن زوجها قد أُعدم على أيدي عسكريين يمارسون وظائفهم وأنها وعائلتها كانوا أيضاً من ضحايا "المأساة الوطنية". ورفضت السلطات الاعتراف بمسؤولية العساكر في هذه القضية واقترحت عليها الشروع في إجراء لتقديم إعلان اختفاء من شأنه أن يسمح لها بالحصول على التعويض. فما كان منها إلا تقديم ما في حوزتها من وثائق، ومن بينها نسخة من محضر تسجيل الوفاة في سجل الحالة المدنية الذي صدر عن نيابة الميلية ، وشهادة الوفاة المسجلة في 27 آب/أغسطس 1995.
2-19 ورغم أن الموضوع لم يكن يتعلق، بكل وضوح، بحالة اختفاء قسري وإنما بإعدام خارج نطاق القضاء على أيدي أفراد في الجيش، حصلت العائلة من فرقة الدرك الوطني لبلدية القنار على محضر معاينة اختفاء ( ) ، يذكر فيها زوراً بأن الضحية قد اختفى وأن التحقيق الذي أجرته مصالح الدرك تلك لم يفض إلى نتيجة. وبناء عليه، وجهت حمامة لعوَر إلى مدير الشؤون القانونية لوزارة الدفاع الوطني رسالة مؤرخة 3 تموز/يوليه 2007، مشفوعة بمحضر معاينة الاختفاء الصادر عن الدرك الوطني وبوثائق الملف الأخرى، متمسكة بأن زوجها كان ضحية إعدام خارج نطاق القضاء على أيدي أفراد في الجيش وليس ضحية اختفاء قسري. وطلبت في الرسالة ذاتها فتح تحقيق في الجريمة التي أودت بحياة زوجها.
2-20 وفي 10 آ ذار/مارس 20 0 8، أي بعد ثمانية أشهر، تلقت حمامة لعور رداً تلخص في رسالة موجزة موقعة من مدير الشؤون القانونية لوزارة الدفاع الوطني يطلب فيها أن تحيل إليه "كامل الملف المتعلق بزوجها وجميع المعلومات اللازمة" ليتسنى له تقديم رد، والحال أنه كان قد تلقى جميع الوثائق الموجودة في حوزة أرملة الضحية ( ) . واتضح بذلك أن المسؤولين في أعلى مراتب الجيش كانوا يرفضون فتح تحقيق لإثبات حقيقة الوقائع المعروضة عليهم، وهي وقائع ما كان بإمكانهم أن يجهلوها بسبب الطابع المتفشي لهذا النوع من الممارسات.
2-21 وإذ كان من الواضح أن إعدام محمد بلعمرانية يكتسي طابع اً جنائياً، فقد امتنع الدرك وكذلك القضاء عن فتح تحقيق مناسب. وهما بذلك لا يخلان بالالتزامات الدولية للجزائر فحسب وإنما ينتهكان أيضاً تشريعات البلد الداخلية، بالنظر إلى أن المادة 63 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري تنص على أن "يقوم ضباط الشرطة القضائية، وتحت رقابتهم أعوان الشرطة القضائية، بالتحقيقات الابتدائية بمجرد علمهم بوقوع الجريمة إما بناء على تعليمات وكيل الجمهورية أو من تلقاء أنفسهم" ( ) .
2-22 ورغم كل الجهود التي بذلتها العائلة، لم يفتح أي تحقيق جدي ولم يتعرض المسؤولون عن إعدام محمد بلعمرانية لأي مضايقة. ويشدد صاحب البلاغ على مسألة فرعية وهي أنه يصطدم اليوم بعقبة قانونية تحول دون لجوئه إلى هيئة قضائية بعد إصدار الأمر رقم 06-01 المتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، بحيث باتت سبل الانتصاف الداخلية التي كانت عديمة الجدوى والفعالية غير متاحة أصلاً. وينص ميثاق السلم والمصالحة الوطنية على أنه " لا يـخــــول لأي كـان، في الـجزائر أو خارجها، أن يتذرع بـما خلفتــه الـمأســاة الوطنية من جراح وكلـــوم، أو يعـتـد به بقصد الـمساس بـمؤسسات الـجمهورية الـجزائرية الديـمقراطيــة الشعبية، أو زعزعة أركان الدولة، أو وصم شرف جميـع أعـوانها الذيـن أخـلـصوا خدمتها، أو تشويه صورة الـجزائر على الصعيــد الدولي ". ويرفض الميثاق "كل زعم يقصد به رمي الدولة بالمسؤولية عن التسبب في ظاهرة الافتقاد". وهو يعتبر أن "الأفعال الجديرة بالعقاب المقترفة من قبل أعوان الدولة الذين تمت معاقبتهم من قبل العدالة كلما ثبتت تلك الأفعال لا يمكن أن تكون مدعاة لإلقاء الشبهة على سائر قوات النظام العام التي اضطلعت بواجبها بمؤازرة من المواطنين وخدمة للوطن".
2-23 وعلاوة على ذلك، يدفع صاحب البلاغ بأن الأمر المؤرخ 27 شباط/فبراير 2006 المتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية ينص على الملاحقة الجزائية لكل من يلجأ إلى العدالة، ويعفي بذلك الضحايا من ضرورة استنفاد سبل الانتصاف المحلية. ويمنع هذا الأمر بالفعل رفع أي دعوى في قضية اختفاء أو جريمة أخرى، وتنص المادة 45 منه على أنه "لا يجوز الشروع في أي متابعة بصفة فردية أو جماعية في حق أفراد قوى الدفاع والأمن للجمهورية بجميع أسلاكها بسبب أعمال نُفِّذت من أجل حماية الأشخاص أو الممتلكات ونجدة الأمة والحفاظ على مؤسسات الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية". وبمقتضى هذا الحكم، يجب على السلطة القضائية المختصة أن تعلن عدم مقبولية أي دعوى أو شكوى تقدم في هذا الصدد. وعلاوة على ذلك، تنص المادة 46 من الأمر ذاته، على أن "يعاقب بالحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات وبغرامة من 000 250 دينار جزائري إلى 000 500 دينار جزائري كل من يستعمل، من خلال تصريحاته أو كتاباته أو أي عمل آخر، جراح المأساة الوطنية أو يعتد بها للمساس بمؤسسات الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية أو لإضعاف الدولة أو للإضرار بكرامة أعوانها التي خدموها بشرف أو لتشويه سمعة الجزائر في المحافل الدولية. وتباشر النيابة العامة المتابعات الجزائية تلقائياً". وفي حالة العود، تضاعف العقوبة المنصوص عليها في هذه المادة.
2-24 ويضيف صاحب البلاغ أن هذا القانون يعفو بحكم الواقع عن مرتكبي الجرائم المقترفة خلال العشرية الماضية، بما فيها أخطر الجرائم كالإعدام بإجراءات موجزة. ويمنع هذا القانون أيضاً اللجوء إلى العدالة لاستجلاء مصير الضحايا، تحت طائلة أن يعاقب بالسجن ( ) . وملخص القول إن السلطات الجزائرية، بما فيها السلطات القضائية، ترفض بوضوح إثبات مسؤولية قوات الجيش ومنفذي إعدام محمد بلعمرانية بإجراءات موجزة، وهو رفض يحول دون فعالية سبل الانتصاف التي لجأت إليها عائلته.
الشكوى
3-1 يحتج صاحب البلاغ بداية بالحق في سبيل انتصاف فعال، وفقاً للمادة 2(3) من العهد. فقد امتنعت السلطات القضائية والإدارية المختصة عن فتح أي تحقيق في ادعاء إعدام الضحية رغم ما تلقته من صاحب البلاغ من اتصالات متكررة. ويضيف صاحب البلاغ أن الدولة الطرف أخلت بالتزامها بتوضيح وتسوية كل حالة انتهاك لحقوق الإنسان تُعرض على اللجنة في العديد من حالات الاختفاء القسري والإعدام خارج نطاق القضاء. ويضيف أنه منذ اعتماد الأمر المتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، في شباط/فبراير 2006، لم يعد من الممكن ملاحقة عناصر قوات الدفاع والأمن الجزائرية، بمختلف مكوناتها، مما يشكل إخلالاً بالتزامات الدول بضمان إعمال الحقوق المعترف بها في العهد، والتي يُعد الحق في سبيل انتصاف فعال عنصراً رئيسياً من عناصرها. ويخلص صاحب البلاغ إلى أن الدولة الطرف أخلت بالتزامها بموجب المادة 2(3) من العهد في حالة محمد بلعمرانية .
3-2 ويضيف صاحب البلاغ أن إعدام محمد بلعمرانية على أيدي أعوان الدولة الجزائرية يشكل في جوهره انتهاكاً لحقه في الحياة. ويدفع بأنه كان من واجب الدولة الطرف، ما دامت قد انضمت إلى العهد، أن تتخذ تدابير لمنع أي إعدام تعسفي على أيدي قوات أمن الدولة، باعتبار ذلك فعلاً بالغ الخطورة. وفي هذه القضية، لقي الضحية مصرعه نتيجة فعل متعمد من مصالح الجيش الجزائري. وإخلال الدولة الطرف بواجبها المتمثل في ضمان الحق في الحياة يزداد خطورةً بالنظر إلى امتناعها عن بذل أي جهد من أجل فتح تحقيق وكشف الحقيقة في قضية إعدام محمد بلعمرانية بإجراءات موجزة.
3-3 ويحتج صاحب البلاغ أيضاً بحق الفرد في عدم الخضوع لمعاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة، وفقاً للمادة 7 من العهد. ويذكر بأن محمد بلعمرانية احتُجِز في ثكنة القنار ، حيث خضع للتعذيب طيلة الليلة التي تلت توقيفه. وقد وصل صراخه إلى مسامع سكان القرية عندما كان يخضع للتعذيب. وعُثِر على جثته بعد حوالي 10 أيام في بلدة تنفدور بالميلية ؛ وكانت تحمل أمارات تعذيب واضحة إلى جانب آثار الرصاص. ولم يكن الضحية يجهل ما سيفضي إليه هذا التوقيف، لفرط ما كانت حالات إعدام الأشخاص الموقوفين من قبل الجيش بإجراءات موجزة متفشية في ذلك الوقت. ولا بد أن الفترة التي سبقت الإعدام قد تسببت له في الكثير من الأسى والمعاناة. ويشكل انتزاع شخص من أسرته بطريقة تعسفية ثم اقتياده عنوة لتعذيبه فإعدامه بإجراءات موجزة ضرباً من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة للذات البشرية، وقد شكّل انتهاكاً للمادة 7 من العهد في حالة محمد بلعمرانية .
3-4 ويخشى صاحب البلاغ أن يتحول هذا الإجراء المتخذ أمام اللجنة إلى ذريعة لاضطهاده من جانب السلطات الجزائرية لأنه أراد توضيح ملابسات إعدام والده. كما يخشى تعرضه للانتقام من جانب السلطات في أعقاب الإجراءات التي اتخذها على الصعيد الوطني من أجل كشف مسؤولية أعوان الدولة عن إعدام والده بإجراءات موجزة، والحال أن المادتين 45 و46 من الأمر رقم 06-01 المؤرخ 27 شباط/فبراير 2006 والمتضمن تنفيذ اتفاق السلم والمصالحة الوطنية تجرمان كل من يقدم على انتقاد قوات الأمن الحكومية فيما يتصل بأعمال نُفِّذت من أجل الدفاع عن الأمة الجزائرية والشعب الجزائري، وتجعلانه معرضاً لعقوبات بالسجن.
3-5 وبناءً عليه، يلتمس صاحب البلاغ من اللجنة أن تطلب من الدولة الجزائرية الامتناع عن اتخاذ تدابير جزائية أو أي تدابير أخرى ترمي إلى معاقبته أو ترهيبه هو أو أي فرد آخر من أفراد عائلته بسبب تقديم هذا البلاغ ( ) .
3-6 وبالنظر إلى أنه تبين أن جميع سبل الانتصاف المحلية لم تكن فعالة ولا مفيدة وأن عائلة الضحية تجد نفسها اليوم محرومة من حقها في اللجوء إلى العدالة، فإن ابن الضحية بصفته صاحب هذا البلاغ لم يعد مطالَباً، لأغراض مقبولية هذا البلاغ، بمواصلة الإجراءات والتدابير المتخذة على الصعيد الداخلي، ولا بأن يعرض نفسه لخطر الملاحقات الجزائية. لذا يطلب صاحب البلاغ من اللجنة أن تعتبر هذا البلاغ مقبولاً.
3-7 ويطلب صاحب البلاغ إلى اللجنة أن تأمر الدولة الطرف بأن تضمن له سبيل انتصاف فعالاً، لا سيما بإجراء تحقيق معمّق وجدي في إعدام محمد بلعمرانية بإجراءات موجزة؛ وبأن تبلغ الأسرة بنتائج التحقيق وتعوضها على النحو المناسب عما لحق الضحية وصاحب البلاغ وأسرته من انتهاكات؛ وأن تشرع في ملاحقات جزائية لمن يُزعم ضلوعهم في إعدام محمد بلعمرانية خارج نطاق القضاء وتحاكمهم وتعاقبهم، في حال ثبوت الجريمة عليهم، وألا تستغل الأمر المتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية للتملص من هذه الالتزامات. كما يلتمس إلى اللجنة أن تطلب من الدولة الطرف إبقاءها على علم بالتدابير المتخذة تبعاً لآرائها واتخاذ تدابير ملائمة لمنع تكرار انتهاكات مماثلة في المستقبل.
عدم تعاون الدولة الطرف
4- في 29 آب/أغسطس 2012، و25 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، و17 حزيران/ يونيه 2014، و20 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، دُعيت الدولة الطرف إلى تقديم ملاحظاتها بشأن مقبولية البلاغ وأسسه الموضوعية. وتلاحظ اللجنة أنها لم تتلقَّ أي معلومات في هذا الصدد. وتعرب عن أسفها لرفض الدولة الطرف موافاتها بأي معلومات بخصوص مقبولية ادعاءات صاحب البلاغ و/أو أسسها الموضوعية. وتذكّر بأن الدولة الطرف المعنية ملزمة، بمقتضى المادة 4(2) من البروتوكول الاختياري، بموافاة اللجنة بالإيضاحات أو البيانات الكتابية اللازمة لجلاء المسألة مع الإشارة، عند الاقتضاء، إلى أي تدابير قد تكون اتخذتها لتدارك الوضع.
المسائل والإجراءات المعروضة على اللجنة
النظر في المقبولية
5-1 قبل النظر في أي شكوى ترد في بلاغ ما، يتعين على اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، وفقاً للمادة 93 من نظامها الداخلي، أن تبت في مقبولية البلاغ بموجب البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد.
5-2 وقد تأكدت اللجنة ، عملاً بالمادة 5 (2)(أ) من البروتوكول الاختياري، من أن المسألة ذاتها ليست قيد النظر من قبل هيئة أخرى من هيئات التحقيق الدولي أو التسوية الدولية.
5-3 وبخصوص مسألة استنفاد سبل الانتصاف المحلية، تذكّر اللجنة بأن الدولة الطرف لا يجب عليها فقط إجراء تحقيقات معمّقة في ما تُبلَّغ به السلطات من انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان، لا سيما إذا تعلق الأمر بانتهاك الحق في الحياة، وإنما أيضاً بملاحقة كل من يُزعم ضلوعه في هذه الانتهاكات ومحاكمته ومعاقبته ( ) . وقد أبلغت عائلة محمد بلعمرانية ، مراراً عديدةً، السلطات المختصة بإعدام الضحية بإجراءات موجزة، لكن الدولة الطرف لم تباشر أي تحقيق معمَّق ومتأنٍّ في هذا الادعاء الخطير المتعلق بإعدام والد صاحب البلاغ خارج نطاق القضاء. وعلاوةً على ذلك، لم تقدم الدولة الطرف عناصر تسمح باستنتاج أنها توفر سبيل انتصاف فعالاً ومتاحاً، في الوقت الذي يستمر فيه تطبيق الأمر رقم 06-01 المؤرخ 27 شباط/فبراير 2006، رغم توصيات اللجنة فيما يتعلق بمواءمته مع أحكام العهد ( ) . وتعرب اللجنة أيضاً عن قلقها لأن الدولة الطرف لم تقدم، على الرغم من توجيه ثلاثة تذكيرات إليها، أي معلومات أو ملاحظات بشأن مقبولية البلاغ أو أسسه الموضوعية. وفي هذه الظروف، ترى اللجنة أنه لا يوجد ما يمنعها من النظر في البلاغ وفقاً للمادة 5(2)(ب) من البروتوكول الاختياري.
5-4 وترى اللجنة أن صاحب البلاغ دعم ادعاءاته بما يكفي من الأدلة لأغراض المقبولية، وتشرع في بحث الأسس الموضوعية للادعاءات المقدمة نيابة عن محمد بلعمرانية وفقاً للمواد 2(3) و6(1) و7 من العهد.
النظر في الأسس الموضوعية
6-1 نظرت اللجنة في هذا البلاغ في ضوء جميع المعلومات التي أُتيحت لها، عملاً بالمادة 5(1) من البروتوكول الاختياري. وهي تلاحظ أن الدولة الطرف لم ترد على ادعاءات صاحب البلاغ، وترى في هذه الحالة أنه يتعين إعطاء هذه الادعاءات الوزن المستحق ما دامت مدعومةً ب ما يكفي من الأدلة.
6-2 وتحيط اللجنة علماً بتأكيد صاحب البلاغ أن حوالي 30 عنصراً من عناصر فيلق المظليين الخامس التابع للجيش الوطني الشعبي الجزائري ، المدججين بالسلاح والمرتدين للزي العسكري، داهموا منزل محمد بلعمرانية وألقوا القبض عليه في حدود ال ساعة 30/21 من ليلة 13 إلى 14 تموز/يوليه 1995؛ وبأن الضحية نقل في بعد ظهر اليوم التالي إلى وجهة غير معروفة في موكب من المركبات العسكرية؛ وبأن أشخاصا ً كثيرين كان قد قُبض عليهم بالتزامن مع توقيف محمد بلعمرانية أُفرج عنهم بعد بضعة أيام وأعلموا أسرة الضحية باحتجاز محمد بلعمرانية في ثكنة الميلية العسكرية؛ وبأن عائلة محمد بلعمرانية اتخذت تدابير شتى لاستيضاح مصير الضحية لكنها قوبلت في كل مرة بالرفض؛ وبأن شقيقه يوسف بلعمرانية أُبلغ، في 24 تموز/يوليه 1995، أي بعد مرور أحد عشر يوماً على توقيف الضحية، بإعدام أشخاص كثيرين في بلدة تنفدور على أيدي مظليي الفيلق الخامس المرابط في ثكنة الميلية ، وقيل له إن أحد الضحايا قد يكون محمد بلعمرانية ؛ وبأن يوسف بلعمرانية ذهب إلى المكان المذكور وتعرف على جثة شقيقه محمد بلعمرانية المشوهة والمخرمة بالرصاص الذي كانت يداه موثقتين بسلك حديدي، وكان جسده يحمل أمارات تعذيب واضحة وكان ملقي على قارعة الطريق الوطنية.
6-3 وتلاحظ اللجنة أيضاً ادعاء صاحب البلاغ ومفاده أن السلطات طلبت من الأسرة دفع مبلغ 000 120 دينار، وكذلك توقيع اعتراف كتابي بأن محمد بلعمرانية كان ينتمي إلى جماعة إرهابية، مقابل تسليم جثة الضحية، التي وُضعت في تابوت ختمته الشرطة مع منع فتحه، إلى جانب إذن بالدفن صادر عن وكيل الجمهورية في الميلية ، وذلك دون إجراء أي تشريح أو تحقيق، رغم أن صاحب البلاغ يؤكد أن شهوداً كانوا قد رأوا العساكر يصفون أشخاصا ً عديدين على قارعة الطريق ويعدمونهم بإطلاق وابل من الرصاص عليهم باستعمال سلاح أوتوماتيكي في تنفدور ، ورغم التدابير العديدة التي اتخذتها العائلة لدى المقر المركزي لشرطة الميلية ومحكمة الميلية لطلب فتح تحقيق في وفاة محمد بلعمرانية . وتلاحظ اللجنة أيضاً أن من الواضح أن الإعدام نُفِّذ خارج نطاق القضاء على أيدي عسكريين، وأن الأسرة استلمت من فرقة الدرك الوطني في القنار محضر معاينة اختفاء.
6-4 وعلاوة على ذلك، تحيط اللجنة علماً بخشية صاحب البلاغ وعائلته من التعرض لتدابير انتقامية على أيدي السلطات بسبب سعيهم إلى استيضاح ظروف وفاة محمد بلعمرانية ، لما كانت أحكام المادتين 45 و46 من الأمر رقم 06-01 المؤرخ 27 شباط/فبراير 2006 والمتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية تجرم كل من يقدم بلاغاً أو شكوى في حق أفراد قوات الدفاع والأمن الجزائرية. وتشير اللجنة إلى اجتهاداتها ( ) وتذكر بأن الدولة الطرف لا يسعها أن تحتج بأحكام ميثاق السلم والمصالحة الوطنية ضد أشخاص يحتجون بأحكام العهد أو قدموا بلاغاً إلى اللجنة أو يعتزمون تقديمه. وتقضي أحكام العهد بأن تحرص الدولة الطرف على مصير كل شخص وتعامل كل شخص باحترام الكرامة الأصيلة في الذات البشرية. وفي غياب التعديلات التي أوصت اللجنة بإدخالها، يساهم الأمر رقم 06-01 في الإفلات من العقاب في هذه القضية ولا يمكن من ثم اعتباره متفقاً وأحكام العهد.
6-5 وإضافة إلى ذلك تذكِّر اللجنة، بالاستناد إلى اجتهاداتها، بأن عبء الإثبات لا يمكن أن يتحمله أصحاب البلاغ وحدهم، لا سيما في حال تفاوت إمكانات وصول أصحاب البلاغات والدول الأطراف إلى الأدلة وبالنظر إلى أن الدولة الطرف غالباً ما تنفرد بحيازة المعلومات المهمة كتلك المتعلقة بتوقيف محمد بلعمرانية وإعدامه ( ) . وفي غياب أي تفنيد من الدولة الطرف، تعطي اللجنة ادعاءات صاحب البلاغ الوزن المستحق وتخلص إلى أن الدولة الطرف أنكرت حق محمد بلعمرانية في الحياة في ظروف اتسمت بخطورة خاصة، إذ يبدو بوضوح أنه كان ضحية إعدام بإجراءات موجزة على أيدي عناصر من الجيش النظامي للدولة الطرف، مما يشكل انتهاكاً للمادة 6(1) من العهد.
6- 6 وتحيط اللجنة علماً بالادعاءات الإضافية المقدمة من صاحب البلاغ ومفادها أن محمد بلعمرانية كان ضحية تنكيل شديد قبل إعدامه، وكانت آثار ذلك بادية للعيان بعد وفاته، وأنه تعرض بلا شك لمعاناة نفسية ومعنوية شديدة قبل إعدامه. ولم تقدم الدولة الطرف أي معلومات تفند هذه الوقائع. لذا تخلص اللجنة إلى حدوث انتهاك للمادة 7 من العهد في حالة محمد بلعمرانية .
6-7 ويحتج صاحب البلاغ أيضاً بالمادة 2(3) من العهد التي تلزم الدول الأطراف بأن تكفل توافر سبيل انتصاف فعال لأي شخص انتُهكت حقوقه المعترف بها في العهد. وترى اللجنة أن من المهم أن تضع الدول الأطراف آليات قضائية وإدارية مناسبة للنظر في الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. وتشير إلى تعليقها العام رقم 31(2004) بشأن طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد حيث تعتبر اللجنة أن امتناع دولة طرف عن فتح تحقيق في انتهاكات مزعومة يمكن أن يؤدي في حد ذاته إلى خرق مستقل للعهد.
6-8 وفي هذه القضية، طلبت عائلة الضحية إلى النيابة العامة في الميلية ، بعد دفن الضحية ببضعة أيام، أن تفتح تحقيقا ً لتوضيح ملابسات وفاته. وبدلاً من الشروع في هذا التحقيق، ورغم أنه كان من الواضح أن الإعدام نُفِّذ خارج نطاق القضاء على أيدي أفراد من الجيش الجزائري، اكتفت فرقة الدرك الوطني بتسليم عائلة الضحية محضر معاينة اختفاء. وبعد استلام هذا المحضر من السلطات، لجأت أرملة الضحية حمامة لعور إلى مدير الشؤون القانونية لوزارة الدفاع الوطني، في 3 تموز/يوليه 2007، لتوضيح أن محمد بلعمرانية لم يتعرض للاختفاء القسري بل كان ضحية إعدام خارج نطاق القضاء على أيدي أفراد في الجيش، ولطلب فتح تحقيق في الجريمة التي أودت بحياة زوجها. ومع ذلك تلاحظ اللجنة عدم شروع السلطات القضائية المختصة في أي تحقيق رغم أنه لم يكن ممكنا جهلها بالوقائع، كما تلاحظ أن المسؤولين لم يتعرضوا للملاحقة، رغم أن المشتبه فيهم يرجح انتماؤهم إلى القوات النظامية المرابطة في المنطقة (فيلق المظليين الخامس التابع للجيش الوطني الشعبي الجزائري) وكان من الممكن التعرف عليهم بسهولة. وتخلص اللجنة إلى أن الوقائع المعروضة عليها تكشف عن انتهاك للمادة 2(3)، مقروءة بالاقتران مع المادة 6(1) والمادة 7 من العهد، في حالة محمد بلعمرانية .
7- و تخلص اللجنة، إذ تتصرف وفقاً للمادة 5(4) من البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد، إلى أن الوقائع المعروضة عليها تكشف عن انتهاكات الدولة الطرف للمادة 6(1) والمادة 7 والمادة 2(3)، مقروءة بالاقتران مع المادتين 6(1) و7 من العهد، في حالة محمد بلعمرانية .
8- ووفقاً للفقرة 3(أ) من المادة 2 من العهد، فإن الدولة الطرف ملزمة بتوفير سبيل انتصاف فعال لصاحب البلاغ. ويشمل ذلك دفع الدول الأطراف تعويضاً كاملاً للأشخاص الذين انتهكت حقوقهم المعترف بها في العهد. وفي القضية الحالية، يجب على الدولة الطرف: (أ) أن تفتح تحقيقاً معمقاً وجديا في ادعاء تعرض محمد بلعمرانية ل لإعدام بإجر اءات موجزة؛ و(ب) أن توافي عائلته بمعلومات مفصلة عن نتائج ذلك التحقيق؛ و(ج) أن تلاحق المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة وتقاضيهم وتعاقبهم؛ و(د) أن تقدم التعويض المناسب لعائلة الضحية وتوفر لها تدابير الترضية الملائمة. وبصرف النظر عن الأمر رقم 06-01، ينبغي للدولة الطرف أن تحرص أيضاً على عدم انتهاك الحق في توفير سبيل انتصاف فعال لضحايا جرائم كالتعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري. ويجب على الدولة الطرف أيضاً اتخاذ تدابير لمنع حدوث انتهاكات مماثلة في المستقبل.
9- وإذ تضع اللجنة في اعتبارها أن الدولة الطرف قد اعترفت، بانضمامها إلى البروتوكول الاختياري، باختصاص اللجنة في تحديد ما إذا كان قد حدث انتهاك للعهد أم لم يحدث، وتعهدت، بموجب المادة 2 من العهد، بأن تكفل لجميع الأفراد الموجودين في إقليميها والخاضعين لولايتها الحقوق المعترف بها في العهد وأن تضمن لهم سبيل انتصاف فعالا ونافذا في حالة ثبوت حدوث انتهاك، فإنها تود أن تتلقى من الدولة الطرف في غضون 180 يوماً معلومات عن التدابير المتخذة لوضع آراء اللجنة موضع التنفيذ. كما تدعى الدولة الطرف إلى نشر هذه الآراء وتعميمها على نطاق واسع باللغات الرسمية للبلد.
المرفق
[الأصل: بالإسبانية]
رأي فردي مخالف جزئياً أبداه عضو اللجنة فابيان سالفيولي
1- أشاطر اللجنة استنتاجاتها بشأن هذا البلاغ حيث خلصت إلى حدوث انتهاك من جانب الدولة الطرف للحقوق المنصوص عليها في المواد 6(1) و7 و2(3)، مقروءة بالاقتران مع المادتين 6(1) و7 من العهد، في قضية محمد بلعمرانية .
2- ومع ذلك، لا أؤيد النهج الذي اتبعته اللجنة التي تعاملت مع هذا البلاغ كما لو كان الأمر يتعلق بقضية تعذيب وإعدام خارج نطاق القضاء، دون أن تأخذ بعين الاعتبار أن الوقائع (التي سلمت اللجنة بصحتها) ( ) تعرض حالات مختلفة ظلت خارج نطاق استعراض اللجنة.
3- وبالفعل، أُلقي القبض على محمد بلعمرانية في منزله في 13 تموز/يوليه 1995 على أيدي حوالي 30 فرداً ينتمون إلى الجيش الوطني الشعبي الجزائري واقتيد إلى ثكنة عسكرية خضع فيها للتعذيب. ونُقل في اليوم التالي إلى مكان مجهول، حيث ظل مختفياً طيلة أيام وأسرته منشغلة عليه؛ وأخيراً تعرّف شقيق الضحية على جثته في 24 تموز/يوليه 1995. وظهور جثة الضحية يضع حداً للاختفاء القسري لكنه لا يلغي حدوث هذا الاختفاء في الواقع إلى حين ظهور الضحية (أحد عشر يوماً منذ توقيفه).
4- لقد كان محمد بلعمرانية ، في رأيي، ضحية لممارسة الاختفاء القسري للأشخاص، مع كل ما يستتبع ذلك من آثار قانونية. ولا يمكنني فهم أن اللجنة لم تستنتج في هذه القضية حدوث انتهاك للمادة 9 نتيجة لاحتجازه التعسفي، والمادة 16 نتيجة لحرمان الضحية من حماية القانون، بحيث تخلص اللجنة إلى حدوث انتهاك للحق في الاعتراف بالشخصية القانونية.
5- ويؤسفني أيضاً أن اللجنة لم تتناول البُعد المتعلق بمعاناة الأسرة وانشغالها العميق طيلة الأيام التي كانت تجهل فيها مصير محمد بلعمرانية ، ومطالبتها بدفع 000 120 دينار جزائري مقابل استلام الجثة، وكذلك اشتراط اعتراف كتابي بأن الضحية كان ينتمي إلى جماعة إرهابية، وذلك في إطار عملية ابتزاز، وأخيراً تسليم الجثة في تابوت مختوم وحظر فتحه.
6- وكان على اللجنة أن تعترف بأرملة وبعشرة أبناء كانوا قصّرا وقت حدوث الوقائع بصفتهم ضحايا لانتهاك المادة 7 من العهد التي تحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؛ وكان عليها أن تخلص إلى القرار ذاته فيما يتعلق بشقيق الضحية، يوسف بلعمرانية ، الذي أنجز مهام كثيرة، منها التعرف على الجثة الملقاة على قارعة الطريق بيدين موثقتين من الخلف وجسد يحمل أمارات تعذيب واضحة.