الأمم المتحدة

CCPR/C/105/D/1753/2008

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

Distr.: General

20 September 2012

Arabic

Original: French

اللجنة المعنية بحقوق الإنسان

البلاغ رقم 17 53 /2008

آراء اعتمدتها اللجنة في دورتها الخامسة بعد المائة ( من 9 إلى 27 تموز / يوليه 2012)

المقدم من: يمين ة غيزوت وابناها عبد الرحيم وبشير رقيق ( تمثلهم منظمة " تريال "، وهي منظمة سويسرية معنية بمكافحة الإفلات من العقاب )

بالنيابة عن : كمال رقيق (ابن صاحبة البلاغ وشقيق صاحبي البلاغ) وأصحاب البلاغ

الدولة الطرف: الجزائر

تاريخ تقديم البلاغ: 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2007 (تاريخ تقديم الرسالة الأولى)

الوثائق المرجعية: قرار المقرر الخاص المتخذ بموجب المادة 97 الذي أحيل إلى الدولة الطرف في 23 كانون الثاني / يناير 2008 (لم يصدر في شكل وثيقة)

تاريخ اعتماد الآراء: 19 تموز / يوليه 2012

الموضوع: الاختفاء القسري

المسائل الموضوعية: الحق في الحياة، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية والل ا إنسانية، وحق الفرد في الحرية وفي الأمن على شخصه، واحترام الكرامة البشرية الأصيلة، والاعتراف بالشخصية القانونية، والحق في سبيل انتصاف فعال.

المسائل الإجرائية: استنفاد سبل الانتصاف المحلية

مواد العهد: الفقرة 3 من المادة 2؛ والفقرة 1 من المادة 6؛ والمادة 7؛ والفقرات من 1 إلى 4 من المادة 9؛ والفقرة 1 من المادة 10؛ والمادة 16.

مواد البروتوكول الاختياري: الفقرة 2(ب) من المادة 5 .

مرفق

آراء اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بموجب الفقرة 4 من المادة 5 من البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الدورة الخامسة بعد المائة)

بشأن

البلاغ رقم 1753 /2008 *

المقدم من: يمينة غيزوت وابناها عبد الرحيم وبشير رقيق ( تمثلهم منظمة " تريال " ، وهي منظمة سويسرية معنية بمكافحة الإفلات من العقاب )

بالنيابة عن: كمال رقيق (ابن صاحبة البلاغ وشقيق صاحبي البلاغ) وأصحاب البلاغ

الدولة الطرف: الجزائر

تاريخ تقديم البلاغ: 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2007 (تاريخ تقديم الرسالة الأولى)

إن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، المُنشأة بموجب المادة 28 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،

وقد اجتمعت في 19 تموز/يوليه 2012 ،

وقد فرغت من النظر في البلاغ رقم 1753 /2008، المقدم إليها من يمينة غيزوت وابن اه ا عبد الرحيم وبشير رقيق بموجب البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،

وقد وضعت في اعتبارها كل المعلومات الكتابية التي أتاحها لها أ صح ا ب البلاغ والدولة الطرف،

تعتمد ما يلي:

آراء بموجب الفقرة 4 من المادة 5 من البروتوكول الاختياري

1-1 أ صح ا ب البلا غ المؤرخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2007 ، هم السيدة يمينة غيزوت ، وهي مواطنة جزائرية مولودة في 23 أيلول/سبتمبر 1936، والسيد عبد الرحيم رقيق، وهو مواطن بريطاني، والسيد بشير رقيق، وهو مواطن جزائري مولود في 8 كانون الأول / ديسمبر 1959. وهم يقدّمون البلاغ بالنيابة عن السيد كمال رقيق المولود في 23 آذار/مارس 1963 في حسين داي (الجزائر العاصمة)، وهو ابن السيدة يمينة غيزوت وشقيق عبد الرحيم وبشير رقيق. ويعتبر أصحاب البلاغ أن الجزائر انتهكت حقوق الابن والشقيق ل كمال رقيق، المكفولة في الفقرة 3 من المادة 2؛ والفقرة 1 من المادة 6؛ والمادة 7؛ والفقرات 1 و2 و3 و4 من المادة 9؛ والفقرة 1 من المادة 10، والمادة 16 من العهد. كما يعتبرون أنفسهم ضحية انتهاك الدولة الطرف لحقوقهم المكفولة بالفقرة 3 من المادة 2؛ والمادة 7 من العهد. وتمثلهم منظمة " تريال " (وهي منظمة سويسرية معنية بمكافحة الإفلات من العقاب) ( ) .

1-2 وفي 12 آذار/مارس 2009، قررت اللجنة عن طريق المقرر الخاص المعني بالبلاغات الجديدة والتدابير المؤقتة عدم الفصل بين النظر في مقبولية القضية والنظر في أسسها الموضوعية.

الوقائع كما عرضها أصحاب البلاغ

2-1 في الساعة 30/16 من يوم 6 أيار/مايو 1996 وصلت سي ارات عديدة دون علامة مميّزة من نو ع " بيجوJ5 وJ9" وعلى متنها رجال أمن بزي مدني إلى بيت كمال رقيق في أولاد موسى، وهي قرية ريفية صغيرة تابعة لبلدية رغاية (ولاية بومرداس ). وبدؤوا بمحاصرة العمارة قبل أن يطلبوا من الجيران العودة إلى منازلهم. وفي أثناء ذلك، كان كمال رقيق موجود اً في البيت بمعية زوجته وأختها التي جاءت لزيارتهما. واقتحم رجال الأمن الشقة بعنف. ففرّ كمال رقيق واختبأ في إحدى الغرف. لكنهم أطلقوا النار عليه لإجباره على مغادرة الغرفة بل استخدموا زوجته درع اً بشري اً وهددوا بقتل أسرته. وبعد ذلك خلعوا باب الغرفة وأطلقوا النار على كمال رقيق فأصابوه في اليدين والصدر. واقتيد كمال رقيق بمعزل عن زوجته و أختها إلى مدرسة شاتونوف العليا ل ضباط الشرطة التي تُعرف أيض اً ب اسم مركز قيادة العمليات، واستجوبوا في هذا المركز الذي اشتهر بأنه مكان للتعذيب والاحتجاز السري.

2-2 وبعد خمسة أيام من الاحتجاز، نقلت السيدتان إلى زنزانة أخرى حيث كان يقبع كمال رقيق الذي أبلغهما بأنه تعرض للتعذيب منذ أن وصل إلى مركز القيادة بشاتونوف رغم ما كان يعانيه من إصابات، وأنه فقد الوعي مرات عديدة وأنه استفاق في المستشفى العسكري بالبل ي دة حيث سُجّل دخوله باسم مزيّف. وعُذّب من جديد عندما استعاد وعيه وتعرض للضرب والتعذيب بالصدمات الكهربائية وباستخدام تقنية الخرقة.

2-3 وقد وُضع كمال رقيق الذي بات عاجز اً عن التنقل وتأمين احتياجاته الشخصية بمعية زوجته وأفراد أسرتها ( ) في زنزانة واحدة لا يتوفر فيها حمام و لا أي مرافق صرف صحي، وكانوا يفترشون الأرض. ورغم ذلك فإن الوضع قد تحسن عندما وضعت الأسرة في زنزانة واحدة، إذ توقف استجواب كمال رقيق وأقاربه وتعذيبهم. وبعد 35 يوم اً من الاحتجاز السري، نُقلت زوجة كمال رقيق وأختها في سيارة وتُركتا على قارعة الطريق بإحدى ضواحي الجزائر العاصمة. وقبيل الإفراج عنهما اقترح عليهما أحد السجانين بنبرة لا تخلو من السخرية أن تودّعا وداعاً أخيراً كمال رقيق الذي كان المكلفون بتعذيبه يستعدون لنقله إلى غرفة مجاورة. ومنذ ذلك اليوم، لم تتلقّ الأسرة أية معلومات عن الضحية رغم الإجراءات العديدة التي قام بها والده، طاهر رقيق، منذ اختفاء ابنه كمال. وقد استمر الوالد في هذه الإجراءات إلى حين وفاته في 5 شباط/فبراير 2003.

2-4 واستنفد طاهر رقيق كافة الإجراءات الممكنة لدى السلطات المعنية لمعرفة مصير ابنه. وبعد مرور بضعة أيام على اعتقال كمال رقيق توجه والده إلى مصالح الأمن في ولايتي الجزائر العاصمة وبومرداس التي أنكرت اعتقاله تمام اً بحجة أنها لم تكن تبحث عنه. وفي وقت لاحق، طلب طاهر رقيق مرات عديدة تدخل وكيل الجمهورية لدى محكمة بودواو . وفي نهاية المطاف، سجّل قلم المحكمة إحدى رسائله في 8 كا نون الأول/ديسمبر 1996 لكنها لم تلق رداً إيجابياً. وفي 24 حزيران/يونيه 1998، وجّه المدعي العام إلى طاهر رقيق رسالة مؤرخة 21 شباط/فبراير 1998 تفيد بأن ابنه "اعتقل ه أفراد قوات الأمن واقتيد إلى مركز الشرطة بالجزائر العاصمة". غير أن المدعي العام رفض فتح تحقيق بحجة أن شكوى طاهر رقيق "شكوى غير قانونية". وفي هذا السياق، وكّل والد الضحية محامي اً لتقديم شكوى رسمية بشأن اختطاف ابنه إلى مكتب وكيل الجمهورية عمل اً بالمادة 292 وما تلاها من القانون الجنائي الجزائري. وسُجّلت هذه الشكوى لدى قلم محكمة بوادواو في 25 آذار/ مارس 2000. غير أن المدعي العام رفض متابعة هذه الشكوى بدعوى أنه من "غير المقبول تقديم شكوى ضد الشرطة". ومن أجل الطعن في قرار المدعي العام طلب والد الضحية تسليمه أمر اً بح فظ ملف القضية ، لكن ّ المدعي العام رفض هذا الطلب وحذّر المحامي، بما يشبه التهديد، من العواقب الوخيمة التي قد تترتب على تماديه في هذه الإجراءات. وبالتالي لم يُتخذ أي إجراء بخصوص الشكوى المقدمة في 25 آذار/مارس 2000 .

2- 5 وبناء عليه، اتّصل طاهر رقيق بمؤسسات وطنية عديدة من بينها وزارة العدل ووزارة الداخلية ورئاسة الجمهورية و مكتب أمين المظالم . واستلم ردّ اً وحيد اً كان من مكتب أمين المظالم الذي سجّل طلبه وأبلغه بأن كل ما يمكنه فعله في ظل أوضاع البلد القائمة واختصاصاته بموجب المرسوم الرئاسي هو إخطاره بأن طلبه أحيل إلى المؤسسات المعنية كي تنظر فيه. وفي 19 تشرين الأول/أكتوبر 1998، عُرضت قضية كمال رقيق على الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي.

2-6 وخلال عام 2006، طلبت مصالح الأمن في الجزائر العاصمة من السيدة يمينة غيزوت اتخاذ التدابير الإدارية اللازمة للحصول على تعويضات بموجب "الأمر المؤرخ 27 شباط/ فبراير 2006 والمتعلق بتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية" ( ) . غير أنها لم تستجب لهذا الطلب، ورهنت طلب شهادة وفاة ابنها بمعرفة حقيقة مصيره.

2-7 ورغم جهود أسرة الضحية لم تفتح الدولة أي تحقيق ولا تزال الأسرة تجهل مصير كمال رقيق. كما أن لجوء أصحاب البلاغ إلى القضاء لم يعد ممكنا ً بعد صدور الأمر رقم 6/01 المؤرخ 27 فبراير /شباط 2006 والمتعلق بتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية. وإذا كانت سبل الانتصاف المحلية غير مجدية وغير فعالة في ما مضى فهي اليوم غير متاحة.

الشكوى

3-1 في 6 أيار/مايو 1996 تعرض كمال رقيق للاختفاء القسري إذ اعتقله رجال الأمن ورفضت السلطات الإقرار بحبسه والكشف عن مصيره. و يستند أصحاب البلاغ إلى الفقرة 2 ‘1‘ من المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وإلى المادة 2 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

3-2 ويكاد الأمل ينقطع في العثور على كمال رقيق حي اً وقد مرّت إحدى عشرة سنة على اختفائه في أحد مراكز الاحتجاز السري ( ) . وتشي ر كل الوقائع إلى أنه توفي أثناء الاحتجاز؛ ولا يقصد بذلك غيابه المطول وظروف احتجازه وسياقه فحسب وإنما أيض اً طلب المصالح المكلفة بإنفاذ القانون من والدته الشروع في الإجراءات للحصول على شهادة إثبات وفاته. ويعتبر أصحاب البلاغ أن الاحتجاز السري يترتب عليه خطر جسيم هو انتهاك الحق في الحياة. وهكذا يشكل التهديد الذي تتعرض له حياة الضحية أثناء الاختفاء القسري انتهاك اً للفقرة 1 من المادة 6 إذ ت كون الدولة الطرف قد أخلّت بواجبها المتمثل في حماية الحق الأساسي في الحياة. ويتجلى هذا الأمر بوضوح في تقاعس الدولة الطرف عن التحقيق فيما حدث لكمال رقيق. وبناء ً عليه، يدّعي أصحاب البلاغ أن الدولة الطرف انتهكت الفقرة 1 من المادة 6 مقروءة على حدة وبالاقتران مع الفقرة 3 من المادة 2 من العهد.

3-3 ويشكل الاختفاء القسري بمفرده معاملة لا إنسانية أو مهينة. وعلاوة على ذلك، استخدم رجال الأمن في تنفيذ الاعتقال الأسلحة النارية رغم أن لا شيء كان يدعوهم إلى اعتقاد أن الضحية كان مسلّحا ً . وتعد الإصابات والمعاناة التي يتسبب فيها إفراط رجال الأمن في استعمال القوة على نحو غير مشروع انتهاك اً سافر اً لأحكام المادة 7 من العهد. كما تعرض كمال رقيق للتعذيب خلال استجوابه ، وقد أبلغ زوجته وأخ تها بذلك قُبيل رؤيتهما له للمرة الأخيرة.

3-4 ويعتبر أصحاب البلاغ أن اختفاء كمال رقيق شكل، ولا زال، محنة عصيبة وأليمة شلّت حياتهم، وهو ما يعدّ انتهاك اً للمادة 7 من العهد.

3-5 واعتقل رجال الأمن كمال رقيق دون أمر قضائي ودون إبلاغه بأسباب اعتقاله. وأثناء استجوابه، لم يخطر على الإطلاق بالتهم الجنائية الموجهة إليه. وعلاوة على ذلك، تأخر إحضاره دون إبطاء أمام قا ض أو غيره من السلطات المؤهلة قانوناً لممارسة القضاء. كما أنه لم يتمكن بصفته ضحية اختفاء قسري من أن يطعن في شرعية احتجازه ولا من أن يطلب إلى القضاء الإفراج عنه. ويشير أصحاب البلاغ إلى أن المدعي العام لم يعترف باعتقال كمال رقيق إلا في عام 1998 لكن دون إطلاع أسرته على مصيره ومكان احتجازه. وهذه الوقائع من شأنها أن تشكل انتهاك اً للفقرات 1 و2 و3 و4 من المادة 9 من العهد.

3-6 وبثبوت انتهاك حقوق الضحية بموجب المادة 7، بات من المستحيل القول إنه حظي بمعاملة إنسانية تحترم الكرامة البشرية الأصيلة. وبناء عليه، يعتبر أصحاب البلاغ أن الدولة الطرف انتهكت أيض اً أحكام الفقرة 1 من المادة 10 من العهد.

3-7 وجُرّد كمال رقيق من صفة الشخص باعتباره ض حية احتجاز غير معترف به وهو ما يشكل انتهاك اً للمادة 16 من العهد. وفي هذا الصدد، يلاحظ أصحاب البلاغ أن الاختفاء القسري ينطوي بالأساس على إنكار لحق الشخص في الاعتراف له بصفته القانونية لأن رفض السلطات الكشف عن مصير الضحية أو مكان احتجازه أو حتى الاعتراف بحبسه يحرمه من حماية القانون.

3-8 ويعدّ كمال رقيق ضحية اختفاء قسري وهو ما حرمه بحكم الواقع من ممارسة حقه في الطعن في شرعية احتجازه، وهو الحق المكفول في الفقرة 3 من المادة 2 من العهد. أما أصحاب البلاغ فقد استخدموا جميع السبل القانونية المتاحة لمعرفة حقيقة مص ير الابن والشقيق غير أن الدولة الطرف لم تستجب لأي من إج راءاتهم مع أن من واجبها ضمان سبيل انتصاف فعال، ولا سيما إجراء تحقيقات معمّقة ودقيقة. وهكذا يعتبر أصحاب البلاغ أن الدولة الطرف انتهكت حقوقهم وحقوق كمال رقيق المكفولة في الفقرة 3 من المادة 2.

3-9 ولم يقتنع أفراد أسرة كمال اقتناع اً تام اً بوفاته وظل يحدوهم أمل في العثور عليه محتجز اً في مكان سري. كما أن هذا الأمل عزّزه تواتر معلومات مفادها أن الجزائر ما زالت تحتفظ بمراكز احتجاز سرية عديدة، سواء في الجنوب حيث يوجد مركز الاحتجاز السري في وادي ناموس الذي حُبس فيه آلاف الأشخاص في إطار الاحتجاز الإداري في الفترة من عام 1992 إلى عام 1995، أو في الشمال حيث تستخدم الثكنات ومراكز مديرية المباحث والأمن لهذا الغرض. وهكذا، يخشى أصحاب البلاغ أن تكون فكرة تصفيته النهائية تراود الآن الجهات والأجهزة التي تحتجزه إن كان على قيد الحياة. ومن جهة أخرى، تنص المادة 46 من الأمر المتعلق بتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية على عقوبات بالسجن في حق من يقدم شكوى بسبب اعتداءات مشابهة لما تعرض له كمال رقيق. وهكذا يطلب أصحاب البلاغ من اللجنة دعوة الحكومة الجزائرية إلى الإفراج عن كمال رقيق إن كان محبوس اً في الاحتجاز السري واتخاذ كل ما يلزم من تدابير لتفادي إصابته بأضرار لا يمكن جبرها، وكذلك الامتناع عن تطبيق أحكام المادتين 45 و46 من الأمر المؤرخ 27 شباط/فبراير 2006 المتعلق بتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية على أصحاب البلاغ أو أي من أقارب الضحية، وعن الاستناد إلى هاتين المادتين، وتوجيه أي تهديدات إلى أصحاب البلاغ أو الأقارب بغية حرمانهم من حق التوجّه إلى اللجنة.

ملاحظات الدولة الطرف بشأن مقبولية البلاغ

4-1 في 3 آذار/مارس 2009، طعنت الدولة الطرف في مقبولية هذا البلاغ ومقبولية عشرة بلاغات أخرى مقدمة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، وكان ذلك في "مذكرة مرجعية بشأن عدم مقبولية البلاغات المقدمة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان فيما يتعلق بتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية". ورأت الدولة في الواقع أن هذه البلاغات، التي تلقي على الموظفين العموميين أو الذين يخضعون في عملهم للسلطات ال عامة بمسؤولية ما حدث من حالات اختفاء قسري أثناء الفترة موضوع الدراسة، أي ما بين عامي 1993 و1998، يجب أن تعالجها اللجنة في إطار شامل، وتعيد وضع الأحداث المُدعى وقوعها في السياق الداخلي الاجتماعي السياسي والأمني لفترة كان فيها على الحكومة أن تكافح الإرهاب.

4-2 وكان على الحكومة أثناء هذه الفترة أن تكافح جماعات غير منظمة. ونتيجة لذلك، نُفّذت عدة عمليات في ظروف غامضة في صفوف السكان المدنيين. وكان يصعب على هؤلاء السكان أن يُفرّقوا بين عمليات الجماعات الإرهابية وعمليات قوات الأمن. وهكذا تتعدد مصادر حالات الاختفاء القسري لكنها في نظر الدولة الطرف لا يمكن أن تعزى إلى الحكومة. واستناداً إلى البيانات الموثقة المقدمة من ع دة مصادر مستقلة، وبخاصة الصحافة ومنظمات حقوق الإنسان، فإن المفهوم ا لعام للشخص المختفي في الجزائر أثناء الفترة موضوع الدراسة يشير إلى ست حالات مختلفة لا تتحمل الدولة المسؤولية في أي منها. وتشير الدولة الطرف إلى حالة الأشخاص الذين أبلغ أقاربهم عن اختفائهم، في حين أنهم قرروا من تلقاء أنفسهم الاختفاء عن الأنظار للانضمام إلى الجماعات المسلحة، وطلبوا من أسرهم أن تعلن أن مصالح الأمن اعتقلتهم "للتضليل" وتجنّب "مضايقات" الشرطة. وتتعلق الحالة الثانية بالأشخاص الذين أُبلغ عن اختفائهم بعد اعتقالهم من قبل مصالح الأمن لكنهم انتهزوا فرصة الإفراج عنهم للاختفاء عن الأنظار. وقد يتعلق الأمر أيضاً بحالة الشخص المفقود الذي اختطفته جماعات مسلحة لا تُعرف هويتها أو انتحلت صفة أفراد الشرطة أو الجيش بارتداء زيهم أو استخدام وثائق هويتهم، فاعتُبرت خطأً عناصر تابعة للقوات المسلحة أو لمصالح الأمن. وتتعلق الحالة الرابعة بالأشخاص الذين تبحث عنهم أسرهم بعد أن قرروا من تلقاء أنفسهم هجر أقاربهم، وأحياناً حتى مغادرة البلد بسبب استمرار المشاكل الشخصية أو الخلافات العائلية. وقد يتعلق الأمر ، في الحالة الخامسة ، بأشخاص أبلغت أسرهم عن اختفائهم وهم في واقع الأمر إرهابيون مطلوبون أو قُتلوا أو دُفنوا في الأدغال في أعقاب "حرب مذهبية" أو "حرب عقائدية" أو "صراع على الغنائم" بين جماعات مسلحة متنافسة. وأخيراً، تشير الدولة الطرف إلى احتمال سادس يتعلق بأشخاص يجري البحث عنهم باعتبارهم مفقودين وهم يعيشون إما في البلد أو خارجه بهويات مزورة حصلوا عليها عن طريق شبكة واسعة لتزوير الوثائق.

4-3 وتؤكد الدولة الطرف أن تنوع وتعقيد الحالات التي يغطيها المفهوم العام للاختفاء هو الذي دفع المشرِّع الجزائري، بعد الاستفتاء الشعبي على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، إلى اتخاذ قرار معالجة مسألة المفقودين في إطار شامل بالتكفل بجميع الأشخاص المفقودين في سياق "المأساة الوطنية"، ومساندة جميع الضحايا حتى يتسنى لهم التغلب على هذه المحنة، ومنح جميع ضحايا الاختفاء وذوي الحقوق من أهلهم الحق في الجبر. وتشير الإحصاءات التي أعدّتها دوائر وزارة الداخلية إلى أنه تم إعلان 023 8 حالة اختفاء، وبحث 774 6 ملفاً، وقبول 704 5 ملفات تعويض، ورفض 934 ملفاً فيما يجري حالياً النظر في 136 ملفاً. وتم دفع تعويض بمبلغ 390 459 371 ديناراً جزائرياً لجميع الضحايا المعنيين. وبالإضافة إلى ذلك ، يجري دفع مبلغ 683 824 320 1 ديناراً جزائرياً في شكل معاش شهري.

4-4 وتشير الدولة الطرف أيضا ً إلى عدم استنفاد سبل الانتصاف المحلية. وتشدد على أهمية الت مييز بين المساعي البسيطة المبذولة لدى السلطات السياسية أو الإدارية، والطعن غير القضائي أمام هيئات استشارية أو هيئات وساطة، والطعن القضائي أمام مختلف الهيئات القضائية المختصة. وتلاحظ الدولة الطرف أن إفادات أصحاب البلاغات ( ) تبين أن أصحاب الشكاوى وجَّهوا رسائل إلى السلطات السياسية أو الإدارية، وأبلغوا هيئات استشارية أو هيئات وساطة وأرسلوا عريضة إلى ممثلين للنيابة العامة (المدعون العامون أو وكلاء الجمهورية) دون اللجوء إلى الطعن القضائي بمعناه الدقيق ومتابعته حتى النهاية باستخدام جميع سبل الانتصاف المتاحة في الاستئناف والنقض. ومن بين هذه السلطات جميعها، لا يحق سوى لممثلي النيابة العامة فتح تحقيق أولي بموجب القانون وعرض المسألة على قاضي التحقيق. وفي النظام القض ائي الجزائري، وكيل الجمهورية هو المختص بتلقي الشكاوى ويقوم، بحسب الاقتضاء، بتحريك الدعوى العامة. غير أنه لحماية حقوق الضحية أو أصحاب الحق ذوي الصلة، يُجيز قانون الإجراءات الجنائية لهؤلاء الأشخاص تقديم شكوى والادعاء بالحق المدني مباشرة أمام قاضي التحقيق. وفي هذه الحالة، تكون الضحية ، وليس المدّعي العام ، هي من تحرك الدعوى العامة بعرض الحالة على قاضي التحقيق. وسبيل الانتصاف هذا المشار إليه في المادتين 72 و73 من قانون الإجراءات الجنائية لم يُستخدم في حين أنه كان يكفي أن يحرك الضحايا الدعوى العامة ويُلزموا قاضي التحقيق بإجراء التحقيق، حتى لو كانت النيابة العامة قررت خلاف ذلك.

4-5 وتلاحظ الدولة الطرف أيضاً إشارة أصحاب البلاغ إلى أنه نتيجة لاعتماد الميثاق عن طريق الاستفتاء واعتماد صكوك تطبيقه، وبخاصة المادة 45 من الأمر رقم 6-1 ، لم يعد ممكناً اعتبار أنه توجد في الجزائر سبل انتصاف محلية فعالة ومفيدة وميسرة متاحة لأسر ضحايا الاختفاء . وعلى هذا الأساس، ظنّ أصحاب البلاغ أنفسهم هل من واجب ا للجوء إلى الهيئات القضائية المختصة بالحكم مسبقاً على موقف هذه الهيئات وتقديرها في تطبيق هذا الأمر. لكن الدولة ترى أنه لا يجوز لأصحاب البلاغ التمسك بهذا الأمر ونصوص تطبيقه لتبرئة أنفسهم من ال مسؤولية عن عدم مباشرة الإجراءات القضائية المتاحة. وتذكِّر الدولة الطرف بالآراء السابقة التي تبنتها اللجنة وذهبت فيها إلى أن "اعتقاد شخص من الأشخاص أو تبنيه لافتراض ذاتي فيما يتعلق بعدم جدوى سبيل ال انتصاف لا يُعفيه من استنفاد سبل الانتصاف المحلية جميعها" ( ) .

4-6 وتتناول الدولة الطرف بعد ذلك طبيعة ميثاق السلم والمصالحة الوطنية والأسس التي يستند إليها ومضمونه ونصوص تطبيقه. وتشير إلى أنه بموجب مبدأ عدم قابلية السلم للتصرف ، الذي أصبح حقاً دولياً في السلم، ينبغي للجنة أن تصاحب هذا السلم وتسانده وتساعد في المصالحة الوطنية حتى تتمكن الدول التي تعاني من أزمات داخلية من تعزيز قدراتها. وفي سياق جهد المصالحة الوطنية، اعتمدت الدولة هذا الميثاق الذي ينص الأمر التأسيسي الخاص به على تدابير قانونية تستوجب انقضاء الدعوى العمومية واستبدال العقوبات أو تخفيضها بالنسبة لكل شخص أُدين بأعمال إرهابية أو استفاد من الأحكام المتعلقة باستعادة الوئام المدني، فيما عدا الأشخاص الذين ارتكبوا أو شاركوا في ارتكاب المجازر الجماعية أو أفعال الاغتصاب أو التفجيرات في الأماكن العمومية. وينصّ هذا الأمر أيضاً على إجراءات دعم سياسة التكفل بملف المفقودين برفع دعوى لاستصدار حكم قضائي بالوفاة يمنح ذوي الحقوق من ضحايا "المأساة الوطنية" الحق في التعويض. وبالإضافة إلى ذلك، و ُ ضعت تدابير اجتماعية اقتصادية مثل المساعدات المقدمة لاستفادة كل من تنطبق عليه صفة ضحية "المأساة الوطنية" من إعادة الإدماج في عالم العمل أو التعويض. وأخيراً، ينصّ الأمر على تدابير سياسية مثل منع ممارسة النشاط السياسي على كل شخص مسؤول عن استغلال الدين على نحو أفضى إلى "المأساة الوطنية"؛ كما ينص على التصريح بعدم قبول أي متابعة يشرّع فيها، بصورة فردية أو جماعية، في حق أفراد قوات الدفاع والأمن الجمهورية، بجميع مكوّناتها، بسبب أعمال نفذت من أجل حماية الأشخاص والممتلكات، إنقاذ الأمة و صون مؤسسات الجمهورية.

4-7 وأشارت الدولة الطرف إلى أنه بالإضافة إلى إنشاء صناديق لتعويض جميع ضحايا "المأساة الوطنية"، وافق شعب الجزائر صاحب السيادة على الشروع في عملية المصالحة الوطنية باعتبارها السبيل الوحيد لتضميد الجراح التي خلّفتها المأساة . وتشدد الدولة الطرف على أن إعلان هذا الميثاق يندرج في إطار الرغبة في تجنب حالات المواجهة القضائية، والاستعراض الإعلامي، وتصفية الحسابات السياسية. ولذا تعتبر الدولة الطرف أن الوقائع التي يدعيها أصحاب البلاغ تغطيها الآلية الداخلية الشاملة للتسوية التي تنص عليها أحكام الميثاق.

4-8 وتطلب الدولة الطرف من اللجنة أن تلاحظ أوجه الشبه بين الوقائع والحالات التي وصفها أصحاب البلاغات والإطار الاجتماعي السياسي والأمني الذي حدثت فيه؛ وأن ت خلص على عدم استنفا د أصحاب البلاغات لجميع سبل الانتصاف المحلية؛ وأن تق رّر ب أن سلطات الدولة الطرف فعّلت آلية داخلية لمعالجة الحالات المشار إليها في البلاغات المعروضة على اللجنة وتسويتها تسوية شاملة وفقاً لآلية سلم ومصالحة وطنية تتفق مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والعهدين والاتفاقيات اللاحقة؛ وأن تخلص إلى اعتبار البلاغات غير مقبولة وأن تطالب أصحاب البلا غات ب الطعن بصورة أفضل.

الملاحظات الإضافية التي قدمتها الدولة الطرف بشأن مقبولية البلاغ

5-1 في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2009، أرسلت الدولة الطرف إلى اللجنة مذكرة إضافية تطرح فيها سؤالاً بشأن ما إذا كانت مجموعة البلاغات الفردية المعروضة على اللجنة لا تشكل بالأحرى إساءة استعمال للإجراءات يقصد بها أن تنظر اللجنة في مسألة شاملة تاريخية تخرج أسبابها وظروفها عن اختصاص اللجنة. وتشير الدولة الطرف في هذا الصدد إلى أن هذه البلاغات "الفردية" تتناول السياق العام الذي حدثت فيه حالات الاختفاء هذه، وتركز فقط على تصرفات قوات حفظ النظام دون أن تشير قط إلى مختلف الجماعات المسلحة التي اتبعت تقنيات تمويه إجرامية لتلصق المسؤولية بالقوات المسلحة.

5-2 وتؤكد الدولة الطرف أنها لن تبدي رأيها بشأن المسائل الموضوعية المتعلقة بالبلاغات المذكورة قبل صدور قرار بشأن مسألة المقبولية؛ وأن واجب أي هيئة قضائية أو شبه قضائية يتمثل أولاً في معالجة المسائل الأولية قبل مناقشة الأسس الموضوع ية . وترى الدولة الطرف أن قرار فرض إخضاع مسائل المقبولية والمسائل المتعلقة بال أسس الموضوعية لدراسة مشتركة ومتزامنة في هذه الحالة هو قرار لم يتم التوافق عليه فضلاً عن كونه يضر بشكل خطير بمعالجة البلاغات المعروضة معالجة مناسبة، سواء من ناحية طبيعتها العامة أو من ناحية خصوصي ا تها الذاتية. وأشارت الدولة الطرف إلى النظام الداخلي للجنة المعنية بحقوق الإنسان، ف لاحظت أن المواد المتعلقة بنظر اللجنة في مقبولية البلاغ تختلف عن المواد المتعلقة بالنظر في الأسس الموضوعية وأنه يمكن من ثم بحث المسألتين بشكل منفصل. وفيما يتعلق بمسألة استنفاد سبل الانتصاف المحلية بصورة خاصة، تؤكد الدولة الطرف أن أياً من البلاغات التي قدمها أصحابها لم يمر بالمسار القضائي الداخلي الذي كان سيسمح بأن تنظر السلطات القضائية الداخلية فيها. وقد وصلت بضعة بلاغات فقط إلى مستوى غرفة الاتهام، و هي جهة تحقيق من الدرجة الثانية قائمة على مستوى المحاكم.

5-3 وتذكّر الدولة الطرف بالآراء السابقة للجنة بشأن واجب استنفاد سبل الانتصاف المحلية، فتؤكد أن مجرد الشك في احتمالات النجاح أو الخوف من التأخير لا يعفي أصحاب البلاغ من استنفاد سبل الانتصاف هذه. وفيما يتعلق بالقول إن إصدار الميثاق يجعل أي طعن في هذا المجال مستحيلاً، ترد الدولة الطرف بأن عدم اتخاذ أصحاب البلاغ لأي إجراءات لمعرفة الحقيقة بشأن الادعاءات المذكورة لم يسمح حتى الآن للسلطات الجزائرية باتخاذ موقف بشأن نطاق وحدود سريان أحكام هذا ال ميثاق . وبالإضافة إلى ذلك، لا يقضي الأمر سوى بالتصريح بعدم قبول الدعاوى المرفوعة ضد "أفراد قوات الدفاع والأمن الجمهورية" بسبب أعمال تقتضيها مهامهم الجمهورية الأساسية، أي حماية الأشخاص والممتلكات، و إنقاذ الأمة، وصو ن المؤسسات. غير أن أي ادعاء يتعلق بأعمال يمكن أن تنسب إلى قوات الدفاع والأمن ويثبت أنها وقعت خارج هذا الإطار هو ادعاء قابل لأن تحقق فيه الهيئات القضائية المختصة.

5-4 وأصدرت الدولة الطرف مذكرة شفوية في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2010 أعادت فيها التأكيد على الملاحظات المتعلقة بالمقبولية التي قدمتها إلى اللجنة في المذكرة الشفوية المؤرخة 3 آذار/مارس 2009.

تعليقات أصحاب البلاغ على ملاحظات الدولة الطرف

6-1 في 23 أيلول/سبتمبر 2011، قدم أصحاب البلاغ تعليقات على ملاحظات الدولة الطرف بشأن المقبولية وقدموا حججا ً إضافية بشأن الأسس الموضوعية.

6-2 ويشير أصحاب البلاغ إلى أن الدولة الطرف قد قبلت باختصاص اللجنة بالنظر في البلاغات الفردية. وهذا الاختصاص ذو طابع عام ولا تخضع ممارسته لتقدير الدولة الطرف. وبوجه خاص، ليس من حق الدولة الطرف أن تقرر مدى استصواب أو عدم استصواب اللجوء إلى اللجنة في مسألة بعينها. فذلك من اختصاص اللجنة عند إقدامها على النظر في البلاغ. وبالإشارة إلى المادة 27 من اتفاقية فيينا، يعتبر أصحاب البلاغ أنه لا يمكن للدولة الطرف التحجج باعتماد تدابير تشريعية وإدارية داخلية للتكفل بضحايا "المأساة الوطنية" للدفع بعدم مقبولية البلاغات بغية منع الأفراد الخاضعين لولايتها من اللجوء إلى آلي ة نص عليها البروتوكول الاختياري ( ) . ومن الناحية ال نظرية، يمكن أن يكون لهذه التدابير بالفعل أثر على تسوية النزاع، ولكن يتعين تحليلها في معرض النظر في الأسس الموضوعية للقضية وليس عند النظر في مقبولية البلاغ. وفي القضية قيد البحث، تشكل التدابير التشريعية المعتمدة في حد ذاتها انتهاكاً للحقوق المنصوص عليها في العهد، مثلما أشارت إليه اللجنة بالفعل ( ) .

6-3 ويذك ّ ر أصحاب البلاغ بأن إعلان الجزائر حالة الطوارئ في 9 شباط/فبراير 1992 لا يؤثر في شيء على حق الأفراد في تقديم بلاغات فردية إلى اللجنة. وبالفعل، تنص المادة 4 من العهد على أن إعلان حالة الطوارئ يتيح للدولة أن تكون في حلّ من بعض الأحكام فقط ولا يؤثر بالتالي على ممارسة الحقوق المترتبة على بروتوكوله الاختياري. وعليه، يعتبر أصحاب البلاغ أن الاعتبارات التي ساقتها الدولة الطرف بشأن استصواب تقديم البلاغ ليست مبرراً صحيحاً لعدم مقبولية البلاغ.

6-4 وفضلاً عن ذلك، يتناول أصحاب البلاغ الحجة التي ساقتها الدولة الطرف ومؤداها أن استيفاء شرط استنفاد سبل الانتصاف المحلية يقتضي من أصحاب البلاغ تحريك الدعوى العامة بإيداع شكوى والادعاء بالحق المدني لدى قاضي التحقيق وفقاً للمواد 72 وما تلاها (الفقرة 25 فما بعدها) من قانون الإجراءات الجزائية. ويشيرون إلى الآراء التي اعتمدتها اللجنة في 27 تموز/يوليه 2010 في قضية بن عزيزة حيث رأت اللجنة أن "الدولة الطرف ليست ملزمة فحسب بإجراء تحقيقات معمقة في الانتهاكات المفترضة لحقوق الإنسان، سيما عندما يتعلق الأمر بالاختفاء القسري والمساس بالحق في الحياة، بل هي ملزمة أيضاً بالملاحقة الجنائية لكل من يشتبه في أنه مسؤول عن تلك الانتهاكات ، ومحاكمته ومعاقبته. و الادعاء بالحق المدني بشأن جرائم خطيرة مثل تلك المزعوم ارتكابها في القضية قيد النظر لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحل محل الملاحقة القضائية التي ينبغي أن ي باشرها وكيل الجمهورية نفسه" ( ) . وعليه، يعتبر أصحاب البلاغ أن السلطات المختصة هي التي يتعين عليها أن تبادر بالتحقيقات اللازمة في الوقائع الخطيرة كالتي يدعيها أصحاب البلاغ. على أن ذلك لم يحدث، بينما قامت أسرة كمال رقيق من جهتها بعدة محاولات، منذ اعتقاله في 6 أيار/مايو 1996، للاستعلام عن حالته ل دى مصالح الأمن لكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل.

6- 5 وعندما علم والد الضحية أن السلطات تحتجز ابنه قسر اً في مركز قياد ة ا لعمليات بشاتونوف وجّه رسالة إلى وكيل الجمهورية لدى محكمة بودواو وطلب منه التدخل لوضع ابنه تحت حماية القانون. ووجّه إليه رسالة ثانية عندما لم يتخذ أية إجراءات في هذا الصدد. وسُجّلت هذه الرسالة لدى قلم محكمة بودواو غير أنها لم تفض إلى أي تحقيق. وفي وقت لاحق، رفعت أسرة الضحية شكاوى عديدة أمام ه ذه السلطة. وفي آذار/مارس 2000، رفع محامي والد كمال رقيق شكوى رسمية بشأن الاختطاف أمام النيابة العامة. ولم يرد المدعي العام على هذه الشكوى بل إنه رفض حتى إصدار أمر ب حفظ القضية، كان من شأنه أن يسمح باللجوء إلى سبل انتصاف أخرى. وفضل اً عن ذلك، وجّه المدعي العام تهديدات إلى محامي والد الضحية . ويضيف أصحاب البلاغ أن أسرة كمال رقيق توجّهت أيض اً المؤسسات الحكومية من قبيل وزارة العدل ووزارة الداخلية ورئاسة الجمهورية و مكتب أمين المظالم برئاسة الجمهورية. وهكذا فإن مسؤولية الملاحقة في هذه الحالات تقع على السلطات، ولا يمكن بأي حال من الأحوال مؤاخذة أصحاب البلاغ على عدم الادعاء بالحق المدني في هذه الحالة.

6-6 وفيما يتعلق بحجة الدولة الطرف القائلة بأن مجرد " قناعة [صاحب بلاغ] ب عدم ج دوى سبيل انتصاف أو افتراضه من تلقاء نفسه" لا يُعفيه من استنفاد سبل الانتصاف المحلية، يشير أصحاب البلاغ إلى المادة 45 من الأمر رقم 06-01 التي تنصّ على عدم جواز مباشرة أية تتبعات قانونية فردية أو جماعية، تستهدف أفراد قوات الدفاع والأمن. ويعاق َ ب بالحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات وبغرامة تتراوح بين 000 250 دينار جزائري و 000 500 دينار جزائري كل من يت قدم ب شكوى أو إبلاغ م ن هذا القبيل ( ) . وبذلك لم تبيّن الدولة الطرف بطريقة مقنعة إلى أي مدى تستطيع المحاكم المختصة، في حال تقديم شكوى وادعاء بالحق المدني، تلقي شكوى كهذه والبت فيها، وهو ما يعني أن تقديم هذه الشكوى مخالف لنص المادة 45 من الأمر، وإلى أي حد كذلك يكون صاحب الشكوى في مأمن من العقوبة المنصوص عليها في المادة 46 من الأمر. ووفقاً لما تؤكده اجتهادات هيئات المعاهدات، فإن النظر في هذه الأحكام يقود بموضوعية إلى ا لخلوص إلى أن أي شكوى تتعلق بانتهاكات كالتي تعرض لها أصحاب البلاغ وكمال رقيق سوف لن يُعلن وحسب أنها غير مقبولة بل سيعاقَب عليها جنائياً أيضاً . ويلاحظ أصحاب البلاغ أن الدولة الطرف لم تقدم أي مثال على قضية من القضايا التي تكون قد أفضت، رغم وجود الأمر المشار إليه، إلى مقاضاة فعلية للمسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في حالة مماثلة للحالة قيد النظر. ويخلص أصحاب البلاغ إلى أن سبل الانتصاف التي تشير إليها الدولة الطرف عديمة الجدوى.

6-7 وفيما يتعلق بالأسس الموضوعية للبلاغ، يلاحظ أصحاب البلاغ أن الدولة الطرف اكتفت بسرد السياقات التي ربما شكلت الظروف التي اختفى فيها ضحايا "المأساة الوطنية" بشكل عام. وهذه الملاحظات العامة لا تنفي بحال من الأحوال الوقائع المزعومة التي تضمنها هذا البلاغ. بل إن تلك السياقات نجدها سُردت بطريقة مماثلة في سلسلة من القضايا الأخرى ، مما يبيّن أن الدولة الطرف تظل ترفض تناول هذه القضايا كل واحدة منها على حدة.

6-8 وفيما يتعلق بالحجة التي ساقتها الدولة الطرف ومؤداها أن من حقها أن تطلب فصل الإجراءات المتعلقة بالمقبولية عن تلك المتعلقة بالأسس الموضوعية للبلاغ، يشير أصحاب البلاغ إلى الفقرة 2 من المادة 97 من النظام الداخلي للجنة التي تنص على أن "بإمكان الفريق العامل أو المقرر الخاص، نظراً للطابع الاستثنائي للقضية، أن يطلب رداً مكتوباً يقتصر على تناول مسألة المقبولية" . وهكذا، فإن هذه الصلاحيات ليست من اختصاص صاحب البلاغ ولا الدولة الطرف وإنما من اختصاص الفريق العامل أو المقرر الخاص لا غير. ويعتبر أصحاب البلاغ أن الحالة قيد البحث لا تختلف في شيء عن بقية حالات الاختفاء القسري وأنه يتعين عدم فصل مسألة المقبولية عن مسألة الأسس الموضوعية.

6-9 وفي الأخير، يلاحظ أصحاب البلاغ أن الدولة الطرف لم تدحض الادعاءات التي ساقوها في بلاغهم هذا. ويضيفون أن التقارير العديدة التي تتحدث عن تصرفات قوات الأمن أثناء الفترة المعنية والمساعي العديدة التي قاموا بها تدعم ادعاءاتهم وتزيدها مصداقية. ونظراً إلى أن المسؤولية عن اختفاء كمال رقيق تقع على عاتق الدولة الطرف، فلا يسع أصحاب البلاغ تقديم مزيد من المعلومات لدعم بلاغهم، فالدولة الطرف هي وحدها التي تملك هذه المعلومات. وعلاوة على ذلك، يلاحظ أصحاب البلاغ أن عدم تقديم الدولة الطرف لأية معلومات بشأن الأسس الموضوعية هو إقرار منها بالانتهاكات المرتكبة.

المسائل والإجراءات المعروضة على اللجنة

النظر في المقبولية

7-1 قبل النظر في أي شكوى ترد في بلاغ ما، يتعين على اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، وفقاً للمادة 93 من نظامها الداخلي، أن تبتّ في مقبولية البلاغ بموجب البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد .

7-2 ويتعين على اللجنة أن تتأكد، بموجب الفقرة 2(أ) من المادة 5 من البروتوكول الاختياري، من أن المسألة ذاتها ليست قيد الدراسة أمام هيئة أخرى من هيئات التحقيق الدولي أو التسوية الدولية . وتل احظ اللجنة أن اختفاء كمال رقيق أُبلغ إلى الفريق العامل التابع للأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري في عام 1998. إلا أنها تذكّر بأن الإجراءات أو الآليات الخارجة عن نطاق المعاهدات، التي وضعتها لجنة حقوق الإنسان أو وضعها مجلس حقوق الإنسان، والتي تتمثل ولاي ا تها في دراسة حالة حقوق الإنسان في بلد أو إقليم أو دراسة الظواهر الواسعة النطاق لانتهاكات حقوق الإنسان في العالم، لا تندرج عموماً ضمن إجراءات دولية للتحقيق أو التسوية بالمفهوم الوارد في الفقرة 2(أ) من المادة 5 من البروتوكول الاختياري ( ) . وهكذا، ترى اللجنة أن نظر الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي في قضية كمال رقيق لا يجعل البلاغ غير مقبول بمقتضى هذه المادة .

7-3 وتلاحظ اللجنة أن الدولة الطرف ترى أن أ صح ا ب البلاغ لم ي ستنفد وا سبل الانتصاف المحلية إذ إنه م لم ي توخ وا إمكانية عرض قضيته م على قاضي التحقيق والادعاء بالحق المدني بناءً على المادتين 72 و73 من قانون الإجراءات الجزائية . و علاوة على ذلك، تلاحظ اللجنة أن إفادات الدولة الطرف تبين أن أصحاب البلاغ وجَّهوا رسائل إلى السلطات السياسية أو الإدارية، وعرضوا قضاياهم على هيئات استشارية أو هيئات وساطة وأرسلوا عريضة إلى ممثلين للنيابة العامة (المدّعون العامون أو وكلاء الجمهورية) دون اللجوء إلى إجراءات الطعن القضائي بمعناه الدقيق والاستمرار فيها حتى النهاية باستخدام جميع سبل الانتصاف المتاحة في الاستئناف والنقض. وتلاحظ اللجنة الحجة التي ساقها أصحاب البلاغ ومؤداها أن والد الضحية علم بأن ابنه محتجز تعسفاً في مركز قياد ة ا لعمليات بشاتونوف فقام إثر ذلك بت وج ي ه رسالة إلى وكيل الجمهورية لدى محكمة بودواو ليطلب منه توفير الحماية القانونية ل ابنه ؛ وأنه وجّه إليه رسالة ثانية عندما لم يستجب لطلبه ؛ وأن هذه الرسالة سُجّلت لدى قلم محكمة بودواو غير أنها لم تفض إلى أي تحقيق؛ وأن أسرة الضحية تقدمت فيما بعد بشكاوى عديدة إلى هذه السلطة؛ وأن محامي والد كمال رقيق قدّم في آذار/مارس 2000 ش كوى رسمية بشأن الاختفاء إلى النيابة العامة . وتحيط اللجنة علما ً بحجة أصحاب البلاغ ومؤداها أن المدعي العام لم يرد على هذه الشكوى بل إنه رفض حتى إصدار أمر لحفظ القضية، وهو ما كان سيسمح باللجوء إلى سبل انتصاف أخرى؛ وأن المدّعي العام حذّر محامي والد الضحية من مغبة متابعة هذه الإجراءات . وفي الأخير، تلاحظ اللجنة أن أصحاب البلاغ أفادوا بأن المادة 46 من الأمر رقم 06-01 تنص على معاقبة كل من يقدم شكوى تندرج ضمن الأعمال المنصوص عليها في المادة 45 من هذا الأمر.

7-4 وتذكر اللجنة بأن الدولة الطرف ملزمة ليس فقط بإجراء تحقيقات شاملة في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان المبلَّغ عنها إلى سلطاتها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر باختفاء قسري وانتهاك للحق في الحياة، ولكنها ملزمة أيضاً بالملاحقة الجنائية لكل من يشتبه في أنه مسؤول عن تلك الانتهاكات ومحاكمته ومعاقبته ( ) . والحال أن أسرة الضحية أخطرت السلطات المختصة عدة مرات باختفاء كمال رقيق بل إن الدولة الطرف اعترفت في رسالة مؤرخة 21 شباط/فبراير 1998 بأنها احتجزت الضحية، وهي الرسالة التي أبلغ فيها وكيل الجمهورية والد الضحية بأن ابنه " اعتقل من قبل أفراد قوات الأمن واقتيد إلى محافظة الشرطة بالجزائر العاصمة ". ورغم توافر هذه العناصر، لم تجر الدولة الطرف أية تحقيقات معمقة ودقيقة بشأن اختفاء ابن وشقيق أصحاب البلاغ رغم أن الأمر يتعلق بمزاعم خطيرة متصلة بالاختفاء القسري. وعلاوة على ذلك، لم تقدم الدولة الطرف معلومات تسمح استنتاج أن سبيل انتصاف فعالاً ومتاحاً قائم بالفعل في الوقت الذي يستمر فيه العمل بالأمر 06-01 المؤرخ 27 شباط/فبراير 2006 رغم توصيات اللجنة التي طلبت فيها جعل أحكام هذا الأمر منسجمة مع أحكام العهد ( ) . وإذ تذكر اللجنة مجدداً بآرائها السابقة تعتبر أن الادعاء بالحق المدني بشأن جرائم خطيرة مثل تلك المزعومة في هذه الحالة لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإجراءات القضائية التي من المفروض أن يتخذها وكيل الجمهورية نفسه ( ) . وعلاوة على ذلك، فنظراً للطابع غير الدقيق لنص المادتين 45 و46 من الأمر المشار إليه أعلاه، ونظراً لعدم تقديم الدولة الطرف معلومات مقنعة بشأن تفسير نص المادتين وتطبيقه عملياً، فإن المخاوف التي أعرب عنها أصحاب البلاغ من حيث العواقب المترتبة على تقديم شكوى هي مخاوف معقولة. وتخلص اللجنة إلى أن الفقرة 2(ب) من المادة 5 من البروتوكول الاختياري ليست عائقاً أمام مقبولية البلاغ.

7-5 وترى اللجنة أن أصحاب البلاغ عللوا ادعاءاتهم بما فيه الكفاية من حيث إن هذه الادعاءات تثير مسائل تتعلق بالفقرة 1 من المادة 6، والمادة 7، والمادة 9، والمادة 10، والمادة 16، والفقرة 3 من المادة 2 من العهد، ومن ثم تنتقل اللجنة إلى النظر في الأسس الموضوعية للبلاغ.

النظر في الأسس الموضوعية

8-1 نظرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في هذا البلاغ في ضوء جميع المعلومات التي أتاحها لها الطرفان، بموجب الفقرة 1 من المادة 5 من البروتوكول الاختياري .

8-2 وكما سبق للجنة أن أكدت لدى النظر في بلاغات سابقة قدمت الدولة الطرف بشأنها ملاحظات جماعية وعامة بخصوص الادعاءات الخطيرة التي أثارها أصحاب تلك البلاغات، فإن الملاحظ هو أن الدولة الطرف اكتفت بالتأكيد على أن البلاغات التي تدعي مسؤولية موظفين عموميين أو خاضعين في عملهم للسلطات العامة عن حالات الاختفاء القسري التي حدثت في الفترة موضع النظر، أي من عام 1993 إلى عام 1998، يجب أن تُعالج في إطار شامل، ويجب إعادة وضع الأحداث المزعومة في السياق الداخلي الاجتماعي السياسي والأمني لفترة كان على الحكومة أن تكافح فيها الإرهاب. وتود اللجنة أن تذكر بملاحظاتها الختامية بشأن الجزائر التي أبدتها في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2007 ( ) . وبآرائها السابقة ( ) . التي ذهبت فيها إلى أنه لا يجوز للدولة الطرف أن تحتج بأحكام ميثاق السلم والمصالحة الوطنية ضد أشخاص يحتجون بأحكام العهد أو يقدّمون بلاغات إلى اللجنة أو يعتزمون تقديم بلاغات. ويبدو أن الأمر رقم 06-01، بدون التعديلات التي أوصت بها اللجنة، يعزّز الإفلات من العقاب، ومن ثم لا يمكن، بصيغته الحالية، أن يتوافق مع أحكام العهد .

8-3 وتلاحظ أن الدولة الطرف لم ترد على ادعاءات أصحاب البلاغ بشأن الأسس الموضوعية وتذكر بآرائها السابقة ( ) . ومفادها أن عبء الإثبات يجب ألا يقع على عاتق صاحب البلاغ وحده، خاصة أن صاحب البلاغ لا يتساوى دائماً مع الدولة الطرف في إمكانية الحصول على عناصر الإثبات ، وأن المعلومات اللازمة تكون في أغلب الأحيان في حوزة الدولة الطرف فقط. وتشير الفقرة 2 من المادة 4 من البروتوكول الاختياري ضمنياً إلى أنه يجب على الدولة الطرف أن تحقق بحسن نية في جميع الادعاءات الواردة بشأن انتهاكات أحكام العهد التي ترتكبها الدولة الطرف نفسها أو يرتكبها ممثلوها وأن تحيل المعلومات التي تكون في حوزتها إلى اللجنة ( ) . ونظراً إلى عدم تقديم الدولة الطرف أي توضيح بهذا الخصوص، فلا بد من إيلاء ادعاءات أصحاب البلاغ الاهتمام الواجب شريطة أن تكون معللة بما فيه الكفاية.

8-4 وتلاحظ اللجنة أن أصحاب البلاغ أفادوا بأن الابن والشقيق كمال رقيق اعتُقل ف ي 6 أيار /مايو 1996 وبأن زوجته وأختها رأتاه لآخر مرة في المدرسة العليا للشرطة في شاتونوف بعد 35 يوما من ا لا عتقال؛ وبأن وكيل الجمهورية لدى محكمة بوادواو اعترف بأ ن أفراد قوات الأمن اعتقلوا كمال رقيق واقتادوه إلى محافظة الشرطة بالجزائر العاصمة. وقدّمت أسرة كمال رقيق عدة طلبات للحصول على معلومات بشأن مصيره ، غير أن السلطات الجزائرية لم تستجب لطلباتها. وتلاحظ اللجنة أن الدولة الطرف اعترفت بضلوعها في اعتقال الضحية لكنها عاجزة عن تقديم معلومات بشأن مصيره منذ اعتقاله. وتذكر اللجنة فيما يتعلق بالاختفاء القسري أن الحرمان من الحرية ثم عدم الإقرار بذلك، أو عدم الكشف عن مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، يحرم هذا الشخص من حماية القانون ويعرض حياته لخطر جسيم ودائم تُعتبر الدولة مسؤولة عنه. وفي الحالة قيد النظر، تلاحظ اللجنة أن الدولة الطرف لم تقدم أية معلومات تفيد بأنها احترمت التزامها المتمثل في حماية حياة كمال رقيق. وهكذا، تخلص اللجنة إلى أن الدولة الطرف أخلت بهذا الالتزام وهو ما يشكل انتهاكا ً للفقرة 1 من المادة 6 من العهد.

8-5 و تقر اللجنة بدرجة المعاناة التي ينطوي عليها التعرض للاحتجاز لمدة غير محددة دون اتصال بالعالم الخارجي . وتذكّر بتعليقها العام رقم 20 على المادة 7، والذي يوصي الدول الأطراف بسن حكم ضد الاحتجاز السري. وفي هذه الحالة، تلاحظ اللجنة أن كمال رقي ق اعتُقل في 6 أيار/مايو 1996 ولم يعرف عنه شيء مذ أن رأته زوجته وأختها لآخر مرة أثناء الاحتجاز، أي بعد مرور 35 يوما ً على اعتقاله . ونظراً لعدم تقديم الدولة الطرف توضيحات وجيهة بهذا الخصوص، تخلص اللجنة إلى أن هذا الاختفاء يشكل انتهاكاً للمادة 7 من العهد في حق كمال رقيق ( ) .

8-6 وتحيط اللجنة علماً بما عاناه أصحاب البلاغ من ضيق وكرب جراء اختفاء كمال رقيق. وتعتبر أن الوقائع المعروضة عليها تكشف عن وقوع انتهاكٍ للمادة 7 من العهد في حق أصحاب البلاغ ( ) .

8-7 وفيما يتعلق بادعاء انتهاك المادة 9، يتبين من مزاعم أصحاب البلاغ أن كمال رقيق اعتُقل في 6 أيار/مايو 1996 على أيدي رجال أمن يرتدون زيّا ً مدنيا ً ومن دون أمر قضائي ودون إطلاعه على أسباب اعتقاله؛ وأفادت زوجته وأختها بأن كمال رقيق لم يبلَّغ في أي وقت من الأوقات بالتهم الجنائية الموجهة إليه؛ وبأنه لم يحضر أمام سلطة قضائية للطعن في شرعية اعتقاله؛ وأن اعتراف المدعي العام في نهاية المطاف باعتقال كمال رقيق أُعلن في عام 1998 لا قبل ذلك، دون إطلاع أصحاب البلاغ على مكان احتجازه ولا مصيره. ونظراً لعدم تقديم الدولة الطرف توضيحات وجيهة بهذا الخصوص، تخلص اللجنة إلى أن المادة 9 من العهد قد انتهكت في حق كمال رقيق ( ) .

8-8 وفيما يتعلق بالشكوى المقدمة بموجب الفقرة 1 من المادة 10، تؤكد اللجنة مجدداً أن الأشخاص المحرومين من الحرية يجب ألا يتعرضوا لأي حرمان أو إكراه عدا ما هو ملازم للحرمان من الحرية، وأنه يجب أن يعاملوا بإنسانية واحترام لكرامتهم. ونظراً لاعتقال الضحية في مكان سري ونظراً كذلك لعدم تقديم الدولة الطرف معلومات بهذا الخصوص، تخلص اللجنة إلى أن الفقرة 1 من المادة 10 من العهد قد انتُهكت ( ) .

8-9 أما عن مزاعم انتهاك المادة 16، فإن اللجنة تكرر اجتهاداتها الثابتة ومؤداها أن حرمان شخص ما عمداً من حماية القانون لفترة مطولة يمكن أن يشكل رفضاً للاعتراف بشخصيته القانونية إذا كان هذا الشخص في قبضة سلطات الدولة عند ظهوره للمرة الأخيرة، وإذا كانت جهود أقاربه الرامية إلى الوصول إلى سبل انتصاف فعالة، بما في ذلك المحاكم، تعترضها بانتظام معوقات (الفقرة 3 من المادة 2 من العهد) ( ) . وفي القضية قيد البحث، تلاحظ اللجنة أن الدولة الطرف لم تقدم توضيحات وجيهة بشأن الادعاءات التي ساقها أصحاب البلاغ الذين يؤكدون أنهم لا يعرفون شيئاً عن مصير ابنهم وشقيقهم. وتستنتج اللجنة مع ذلك أن اختفاء كمال رقيق قسراً منذ 16 عاماً حرمه من حماية القانون وحرمه من حقه في أن ي ُ عترف له بشخصيته القانونية، وفي ذلك انتهاك للمادة 16 من العهد.

8-10 ويحتج أصحاب البلاغ بالفقرة 3 من المادة 2 من العهد التي تلزم الدول الأطراف بأن تكفل سبيل انتصاف فعالاً لجميع الأشخاص الذين انتهكت حقوقهم المكفولة بموجب العهد. وتُعلّق اللجنة أهمية على قيام الدول الأطراف بإنشاء آليات قضائية وإدارية مناسبة لمعالجة الشكاوى المتصلة بانتهاكات الحقوق. وتذكر بتعليقها العام رقم 31(80) الذي يشير على وجه الخصوص إلى أن تقاعس دولة طرف عن التحقيق في انتهاكات مزعومة قد يفضي، في حد ذاته، إلى انتهاك واضح للعهد. وفي هذه الحالة، أخطرت أسرة الضحية السلطات المختصة عدة مرات باختفاء كمال رقيق، سيما السلطات القضائية من قبيل وكيل الجمهورية، إلا أن جميع الخطوات التي اتخذتها أسرة الضحية باءت بالفشل بل كانت مثبطة، وأن الدولة الطرف لم تجر أي تحقيق شامل ودقيق في قضية اختفاء ابن وشقيق أصحاب البلاغ. وعلاوة على ذلك، فإن عدم سماح القانون باللجوء إلى هيئة قضائية بعد صدور الأمر رقم 06-01 المتعلق بتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية لا يزال يحرم كمال رقيق وأصحاب البلاغ من أي إمكانية للوصول إلى انتصاف فعال ذلك أن هذا الأمر يمنع، تحت طائلة السجن، من اللجوء إلى العدالة لكشف ملابسات أكثر الجرائم خطورة مثل حالات الاختفاء القسري ( ) . وتخلص اللجنة إلى أن الوقائع المعروضة عليها تكشف عن وقوع انتهاك للفقرة 3 من المادة 2، مقروءة بالاقتران مع الفقرة 1 من المادة 6؛ و المادة 7؛ والمادة 9؛ والفقرة 1 من المادة 10؛ والمادة 16 من العهد في حق كمال رقيق؛ وانتهاك للفقرة 3 من المادة 2 من العهد، مقروءة بالاقتران مع الفقرة 1 من المادة 6؛ والمادة 7 من العهد في حق أصحاب البلاغ.

9- واللجنة المعنية بحقوق الإنسان، إذ تتصرف وفقاً للفقرة 4 من المادة 5 من البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ترى أن المعلومات المعروضة عليها تكشف عن انتهاك الدولة الطرف لحقوق كمال رقيق المكفولة بالفقرة 1 من المادة 6؛ والمادة 7؛ والمادة 9؛ والفقرة 1 من المادة 10؛ والمادة 16؛ والفقرة 3 من المادة 2 مقروءة بالاقتران مع الفقرة 1 من المادة 6؛ والمادة 7؛ والمادة 9؛ والفقرة 1 من المادة 10؛ والمادة 16 من العهد، كما تكشف عن انتهاك لحقوق أصحاب البلاغ المكفولة بالمادة 7 مقروءة منفردة وبالاقتران مع الفقرة 3 من المادة 2 من العهد.

10- ووفقاً للفقرة 3 من المادة 2 من العهد، فإن الدولة الطرف ملزمة بأن تتيح لأصحاب البلاغ سبيل انتصاف فعالاً يشمل ما يلي: (أ) إجراء تحقيق شامل ودقيق في اختفاء كمال رقيق؛ (ب) تزويد أصحاب البلاغ بمعلومات مفصلة عن نتائج تحقيقها؛ (ج) الإفراج عنه فوراً إذا كان لا يزال محبوساً في مكان سري؛ (د) إعادة جثة كمال رقيق إلى أسرته في حالة وفاته؛ (ﻫ) ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة ومحاكمتهم ومعاقبتهم؛ (و) تقديم تعويض مناسب إلى أصحاب البلاغ عن الانتهاكات التي تعرضوا لها وكذلك إلى كمال رقيق إن كان على قيد الحياة. وعلى الرغم من الأمر رقم 06-01، يتعين على الدولة الطرف أيضاً أن تحرص على عدم إعاقة ممارسة الحق في انتصاف فعال بالنسبة لضحايا الجرائم من قبيل التعذيب والإعدام خارج نطاق القانون والاختفاء القسري. والدولة الطرف ملزمة أيضاً باتخاذ التدابير اللازمة لمنع حدوث انتهاكات مماثلة في المستقبل.

11- واللجنة، إذ تضع في اعتبارها أن الدولة الطرف، بانضمامها إلى البروتوكول الاختياري قد اعترفت باختصاص اللجنة في تحديد ما إذا كان قد حدث أم لا، انتهاك للعهد وتعهّدت عملاً بالمادة 2 من العهد بأن تكفل تمتع جميع الأفراد الموجودين في إقليمها أو الخاضعين لولايتها بالحقوق المعترف بها في العهد وبأن تتيح سبيل انتصاف فعالاً وقابلاً للإنفاذ إذا ثبت حدوث انتهاك، تود أن تتلقى من الدولة الطرف، في غضون مئة وثمانين يوماً، معلومات عن التدابير التي اتخذتها لوضع آراء اللجنة موضع التنفيذ. وبالإضافة إلى ذلك، تطلب اللجنة إلى الدولة الطرف نشر هذه الآراء على نطاق واسع بلغاتها الرسمية.

[اعتُمدت بالفرنسية (النص الأصلي) والإنكليزية والإسبانية. وستصدر لاحقاً بالروسية والصينية والعربية أيضاً كجزء من التقرير السنوي المقدم من اللجنة إلى الجمعية العامة.]

تذييل

رأي فردي ل لسيد فلتر كالين ( رأي مؤي ّ د)

خلصت اللجنة في هذه القضية إلى أن الدولة الطرف أخلت بالتزامها المتمثل في حماية حياة كمال رقيق وهو ما يشكل انتهاكا للفقرة 1 من المادة 6 من العهد، إذ عرضّت حياته لخطر حقيقي، وهي مسؤولة عن ذلك (الفقرة 8-4). وأرحّب بالنهج الذي اتبعه أصحاب البلاغ إزاء معالجة مسألة الحق في الحياة، إذ يحتفظون بأمل في أن يكون كمال رقيق على قيد الحياة. وتبين التجربة أن العديد من ضحايا الاحتجاز المطوّل إما يتوفون أو يقتلون في الاحتجاز السري. وبناء ً عليه رأى المؤتمر الدولي الرابع والعشرون للصليب الأحمر منذ عام 1981 أن الاختفاء القسري ينطوي على "انتهاكات لحقوق الإنسان الأساسية، كالحق في الحياة ..." ( ) . وأقر إعلان عام 1992 المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري ( ) . بأن هذه الأفعال "تشكل تهديدا ً خطيرا ً للحق في الحياة". ونظرا ً لأن هذا الخطر جسيم ويمثل جزءا ً من حالة تتحمل الدولة مسؤوليتها فإن من الصواب اعتبار تعرض ضحايا الاختفاء المطوّل لهذا الخطر إخلالا ً بواجب حماية حياة الأشخاص حتى عندما يظل احتمال بقاء الضحية على قيد الحياة قائما ً .

[اعتُمد بالإنكليزية (النص الأصلي) والإسبانية والفرنسية. وسيصدر لاحقاً بالروسية والصينية والعربية أيضاً كجزء من التقرير السنوي المقدم من اللجنة إلى الجمعية العامة.]

رأي مخالف مقدم من السيد مايكل أوفلاهرتي والسيد كريستر تيلين والسيد رفائيل ريفاس بوسادا

خلص أغلبية أعضاء اللجنة إلى وجود انتهاك مباشر للفقرة 1 من المادة 6. وقد ارتأينا إبداء رأي مخالف.

لم تخلص اللجنة في اجتهاداتها السابقة الراسخة منذ أمد بعيد في قضايا الاختفاء القسري إلى وجود انتهاك للفقرة 1 من المادة 6 إلا عندما تأكدت لديها وفاة الضحية ( ) . غير أن الأغلبية اعتمدت مؤخرا ً ما ظل يعتبر حتى الآن رأي الأقلية الداعي إلى توسيع نطاق التفسير بحيث يشمل الحالات التي لم تثبت فيها وفاة الضحية ( ) . وفي القضية قيد البحث، تعتبر أغلبية الأعضاء أن خطر فقدان الحياة في سياق الاختفاء القسري يمثل بمفرده مبررا ً كافيا ً لاستنتاج حدوث انتهاك مباشر للفقرة 1 من المادة 6 من العهد. وقد يترتب على ه ذا التوجه الجديد عواقب وخيمة.

وإذا كان مجرد التعرض لخطر فقدان الحياة في ظروف تتحمل الدولة مسؤوليتها يشكل المعيار الجديد لتطبيق الفقرة 1 من المادة 6 تطبيقاً مباشراً، فإن ذلك يشمل جميع الحالات المتعلقة بالإعدام؛ فجميع الأشخاص الذين ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام في حقهم معرضون لا محالة لخطر فقدان الحياة. ورغم أننا لا نؤيد بأي وجه كان عقوبة الإعدام، فإن توسيع نطاق تفسير المادة 6 في ضوء اجتهادات الأغلبية سيخدم بالتأكيد مصلحة الأفراد لكنه قد يتسبب أيضا ً في حدوث خلط مع الحالات المنصوص عليها في الفقرة 2 من المادة 6 من العهد. والحالات الأخرى التي قد تتعارض مع هذا التفسير الموسّع هي تلك التي تتحمل فيها الدولة في نهاية المطاف مسؤولية ظروف اجتماعية واقتصادية معينة. وكثيرة هي الظروف التي تهدد حياة الناس في عدة مناطق من العالم. وتطبيق الفقرة 1 من المادة 6 على هذه الحالات، وهو ما يعني بالأساس محاولة تنظيم نوعية الحياة قد يُفضي بالعهد إلى أرضية يكون فيها من الأنسب تطبيق صكوك دولية أخرى.

ولهذه الأسباب، نرى أنه كان على اللجنة أن تخلص في هذه الحالة، تمشياً مع الاجتهادات الراسخة في حالات سابقة، إلى حدوث انتهاك للفقرة 3 من المادة مقروءة بالاقتران مع الفقرة 1 من المادة 6.

[اعتُمد بالإنكليزية (النص الأصلي) والإسبانية والفرنسية. وسيصدر لاحقاً بالروسية والصينية والعربية أيضاً كجزء من التقرير السنوي المقدم من اللجنة إلى الجمعية العامة.]

رأي فردي للسيد فابيان سالفيولي ( رأي مؤيّد)

1- إنني أتفق مع قرار لجنة حقوق الإنسان بشأن قضية غيزوت ضد الجزائر الواردة في البلاغ رقم 1753/2008، وهو القرار الذي يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان التي أشارت إليها الآراء وتعرض لها كمال رقيق، وتعرض لها كل من يمينة غيزوت وابناها عبد الرحيم وبشير رقيق ( وهم على التوالي أم كمال رقيق وشقيقاه).

2 - لكن للأسباب أدناه يبدو لي من الضروري أن أعرض وجهة نظري بشأن ثلاث مسائل أساسية للنظر في قضايا الاختفاء القسري، كما هو الحال في هذه القضية، ألا وهي: انتهاك المادة 6 من العهد وانتهاك مادته 2-2، وتدابير جبر الأضرار المنصوص عليها في العهد.

انتهاك المادة 6 من العهد في هذه الحالة وفي حالات الاختفاء القسري

3- لقد سجّلت اجتهادات اللجنة تطورا ً تدريجيا ً ؛ ففي البداية، اقتصر الإقرار بالمسؤولية الدولية للدولة عن انتهاك الحق في الحياة في قضايا الاختفاء القسري على الحالات التي تكون فيها الوفاة ثابتة أو مفترضة ( ) ؛ وهذا الموقف - رغم استحالة تبريره بالفعل في ظل تطور القانون الدولي لحقوق الإنسان - موقف منطقي لأن الأمر يتعلق بأول تدابير تتخذها هيئة دولية من أجل التصدي لظاهرة الاختفاء القسري التي هي ظاهرة جديدة ومعقدة.

4- وفي وقت لاحق، قرّرت اللجنة اعتماد استنتاج أكثر منطقية مؤداه أن الدولة لا يمكنها الاستفادة من قرار قانوني يترتب على حالة تتحمل هي مسؤولية حدوثها؛ وهكذا قررت اللجنة التعمق في بحث نطاق واجب ضمان الحق في الحياة (أو الحماية)، رغم أنها قيّدت نطاق تفسير هذا الواجب دون مبرر في قضية عوابدية ضد الجزائر بدلاً من أن تفسره في إطار المادة 6 من العهد، وعالجت انتهاك الحق في الحياة معالجة خاطئة من خلال حصر هذا الانتهاك في عدم إتاحة الدولة الطرف سبيل انتصاف فعالا ً (المادة 2-3). وهذا ما دفعني إلى إبداء رأي مخالف جزئيا ً في قضية عوابدية ضد الجزائر ، حيث كان ينبغي أن يتعلق الانتهاك في رأيي بنطاق واجب ضمان الحق في الحياة، وبخاصة في حالات الانتهاكات الجسيمة والمعقدة لحقوق الإنسان مثل الاختفاء القسري. وأحيل إلى هذه الحجج لتفادي إعادة ذكرها في هذا المقام ( ) .

5- وبعد ذلك، خلصت اللجنة في قضية شيهوب ضد الجزائر إلى وجود انتهاك مباشر للمادة 6 من العهد بسبب تعرض شخصين للاختفاء القسري، وهو الاستنتاج الذي وافقت عليه بطبيعة الحال. ولئن استند منطق هذا الاستنتاج إلى عناصر القضية التي كانت توحي بوفاة الضحيتين ( ) ، فقد أشار الجزء المتعلق بالجبر إلى أن الدولة ملزمة بتسليم الشخصين على الفور إذا كانت لا تز ال تحتجزهما سراً ( ) . وتبنّت اللجنة ضمنيا ً موقفا ً أكثر تقدما ً فيما يتعلق بالحق في ضمان الحياة (أو الحماية) ورأيت من ثم أنه لا داعي لإبداء رأي محدد بهذا الخصوص، رغم أنني فعلت ذلك فيما يخص جوانب أخرى من الاستنتاج.

6- وأرى أن اللجنة لم تدرك إلا مؤخراً وبصورة فعلية، في هذه القضية بالذات أبعاد هذه الظاهرة البشعة المتمثلة في الاختفاء القسري للأشخاص، وذلك في ضوء واجب ضمان الحق في الحياة المنصوص عليه في المادة 6 من العهد. وتشير الآراء بوضوح إلى أن " اللجنة تذكّر، فيما يتعلق بالاختفاء القسري، بأن الحرمان من الحرية ثم عدم الإقرار بذلك، أو عدم الكشف عن مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، يحرم هذا الشخص من حماية القانون له ويعرّض حياته لخطر جسيم ودائم تتحمل الدولة مسؤوليته. وفي الحالة قيد النظر، تلاحظ اللجنة أن الدولة الطرف لم تقدم معلومات تفيد بأنها احترمت التزامها المتمثل في حماية حياة كمال رقيق. وهكذا، تخلص اللجنة إلى أن الدولة الطرف أخلّت بهذا الالتزام وهو ما يشكل انتهاكا ً للفقرة 1 من المادة 6 من العهد" ( ) .

7- وأشارت اللجنة إلى واجب ضمان الحق في الحياة في حالة الاختفاء القسري، وهو واجب لا ينطبق بالضرورة على فرضيات أخرى لا ي ُ نظر فيها في إطار هذه القضية. وفيما يخص الاختفاء القسري، لا يتعلق الأمر بأحداث تنطوي على "احتمال أو خطر فقدان الحياة فحسب" وإنما برغبة الدولة على نحو مقصود ومتعمد في الإخلال بكل التزاماتها في مجال حقوق الإنسان، إذ تتحول صراحة من ضامن للحق في الحياة إلى منتهك له، من خلال حرمان الشخص من جميع أشكال الحماية.

8- وإثبات إخلال الدولة الطرف بواجب حماية الحق في الحياة، في حالات الاختفاء القسري، ليس بالأمر الصعب، بل الصعب هو إثبات أن الحق في الحماية يتمثل في مجر ّ د إتاحة سبيل انتصاف فعال. وعلى افتراض أن الدولة تتيح للشخص سبيل الانتصاف المتمثل في المثول أمام محكمة في غضون ستة أشهر من تاريخ تعرضه للاختفاء القسري وأنه يمكن من ثم الإفراج عنه حيا ً ، هل يمكن الجزم بأن الدولة نهضت بالتزامها المتمثل في حماية حق هذا الشخص في الحياة خلال الأشهر الستة التي حرمته فيها من أبسط الضمانات، علم اً بأن لها حرية التصرف كما تشاء في حياة من تحتجزهم؟

9- وتتبع اللجنة حالياً نهجاً يستخلص منه حدوث انتهاك مباشر للمادة 6 من العهد في حالات الاختفاء القسري لأن الدولة الطرف أخلت بالتزامها المتمثل في الحماية (واجب ضمان الحق في الحياة). ويشكل هذا النهج تطوراً يجب الحفاظ عليه، ويراعي كما ينبغي انتهاك حقوق الإنسان الملازم للاختفاء القسري ويشمل البُعد الأكثر منطقية لضمان الحق في الحياة، دون اختزال هذا الضمان في مجرّد إتاحة أو إعمال سبيل انتصاف قضائي.

انتهاك المادة 2-2 من العهد في هذه الحالة وفي الحالات التي تعتمد فيها معايير متعارضة مع العهد

10- في هذه الحالة، كان على اللجنة أن تخلص أيضا ً إلى أن الدولة مسؤولة عن انتهاك حقوق الضحايا المكفولة في الفقرة 2 من المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

11- ومنذ انضمامي إلى هذه اللجنة واظبت على تأكيد أن اللجنة تعمدت على نحو غير مفهوم تقييد اختصاصها لكي لا يشمل إثبات حدوث انتهاك للعهد في حال غياب تظلم قضائي محدد. وكلما كشفت الوقائع التي يعرضها الأطراف حدوث انتهاك، كان بإمكان اللجنة ومن واجبها - عملاً بمبدأ المحكمة أدرى بالقانون - أن تتناول القضية في إطار قانوني. ويتضمن رأيي المخالف جزئيا ً في قضية فيرامانسا ضد سري لانكا الأسس القانونية لهذا الموقف وأسباب استعانة الدول والمشتكي بهيئة دفاع، وهي الأسس والأسباب التي أحيل إليها أدناه ( ) .

12- وفي هذه الحالة، أسهب الطرفان في الإشارة إلى أحكام الأمر رقم 06/01 المتعلق بتطبيق ميثاق السلام والمصالحة الوطنية؛ وهكذا، يرى أصحاب البلاغ أن بعض أحكام هذا الأمر تتعارض مع العهد (انظر الفقرتين 2-7 و3 -9 من رأي اللجنة)؛ وأشارت الدولة بدورها إلى هذا الأمر لكنها خلصت إلى استنتاج مخالف. وتعتبر الدولة أن هذا الأمر يتوافق بالكامل مع القانون الدولي الساري (انظر بالأخص الفقرتين 4-5 و4 -6 من رأي اللجنة).

13- وهكذا فإن الطرفين قد عرضا بما في الكفاية وجهات نظرهما المتضاربة أمام اللجنة في إثبات توافق الأمر رقم 06/01 مع العهد من عدمه. ويتعين على اللجنة الآن تطبيق القانون لتسوية هذه المسألة دون أن تكون ملزمة بقبول الحجج القانونية المقدمة من الطرفين، إذ يمكنها أن تقبل بعضها أو كلها، أو ترفضها، بناء على تحليلها القانوني لهذه الحجج.

14- وكنت قد قدمت في آراء فردية سابقة بشأن الجزائر شرحاً للأسباب التي تلزم اللجنة بالتصدي لمسألة عدم توافق الأمر رقم 06/01 مع العهد في ضوء الفقرة 2 من المادة 2، وللأسباب التي قد تجعل تطبيق هذا الأمر على الضحايا انتهاكا ً لأحكام العهد في الحالة موضوع البحث آنذاك ( ) . وتتكرر هذه الحالة هنا: فاللجنة لديها الاختصاص اللازم لمعالجة الوقائع المعروضة عليها معالجة قانونية، باعتبار أن الدولة أصدرت في 27 شباط/ فبراير 2006 الأمر رقم 06/01 الذي يحظر اللجوء إلى العدالة لكشف أخطر الجرائم من قبيل الاختفاء القسري، والذي يضمن الإفلات من العقاب لمرتكبي انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

15- وإذ سنّت الدولة هذا التشريع فقد وضعت معيارا ً يتنافى مع الالتزام المنصوص عليه في الفقرة 2 من المادة 2 من العهد، وهو ما يعد في حد ذاته انتهاكاً كان على اللجنة أن تشير إليه في قرارها إلى جانب غيره من الانتهاكات المسجلة. ولقد تعرض أصحاب البلاغ، والسيد كمال رقيق نفسه، لانتهاكات شتى من بينها سنّ هذا التشريع؛ لذا فإن تسجيل حدوث انتهاك للفقرة 2 من المادة 2 في هذه القضية لا يعد مسألة مجردة أو مجرّد كلام خطابي. وفي الأخير ، يجب أن نتذكّر أن الانتهاكات المترتبة على المسؤولية الدولية للدولة تؤثر مباشرة في نوع الجبر الذي يجب أن تطالب به اللجنة عند البت في أي من البلاغات المقدمة إليها.

جبر الأضرار في هذه الحالة

16- فيما يتعلق بجبر الأضرار المترتبة على قضايا من هذا القبيل، أحرزت اللجنة في الآونة الأخيرة تقدما ً إذ أعربت عن نيتها بحث المسألة برمتها والإشارة بوضوح إلى ضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات: ولقد استعرضتُ هذا التقدم المحرز بالتفصيل في الآراء المخالفة التي أبديتها في قضايا جبروني وشيهوب وواغليسي (وهذه القضايا الثلاث جميعها مرفوعة ضد الجزائر)، وأوصيت أيضا ً بمواصلة التقدم صوب رفع اللبس تمام اً ( ) . ويجب أن تعترض اللجنة صراحة على الاحتفاظ بتشريع يتنافى في حد ذاته مع العهد، ما دام لا يستوفي المعايير الدولية الحالية المتعلقة بجبر الأضرار المترتبة على انتهاكات حقوق الإنسان.

17- وفي قضية واغليسي ضد الجزائر ، احتفظت اللجنة بهذه الصياغة "... يتعين على الدولة الطرف أيضاً أن تحرص على عدم إعاقة ممارسة الحق في انتصاف فعال بالنسبة إلى ضحايا جرائم من قبيل التعذيب والإعدام خارج إطار القانون والاختفاء القسري. والدولة الطرف ملزمة أيضاً باتخاذ التدابير اللازمة لمنع حدوث انتهاكات مماثلة في المستقبل..." ( ) .

18- وينطبق الالتزام باحترام الحقوق المنصوص عليها في العهد على جميع سلطات الدولة الطرف. وسواء تعلق الأمر بهذه القضية أم بقضايا سابقة، يتعين على اللجنة أن تحذر الدولة من مغبة تطبيق الأمر رقم 06/01 (الذي يشمل بالتأكيد الجهازين القضائي والتنفيذي)، وأن تخطرها بضرورة تعديل الأمر رقم 06/01 من خلال حذف المواد التي تتعارض في جوهرها مع العهد. ويتوافق ذلك مع الملاحظات الختامية التي قدمتها اللجنة إلى الجزائر بعد النظر في تقريرها الدوري الثالث ، وأشارت فيها إلى أنه " ينبغي للدولة الطرف أن تحذف من الأمر رقم 06-01 المتعلق بتطبيق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، ولا سيما المادة 46 منه، أي حكم يخل بحرية التعبير وبحق أي شخص في الحصول على انتصاف فعال من انتهاكات حقوق الإنسان، على الصعيدين الوطني والدولي معاً ..." ( ) .

19- وفي بلاغات الأفراد المتعلقة بدولة طرف، تكتسي الإحالة المرجعية إلى الملاحظات الختامية التي أبدتها اللجنة بشأن هذه الدولة الطرف أهمية قصوى، سيما عندما يتعين تطبيق ضمان عدم تكرار الانتهاكات. وفي هذه الحالة، يقتضي أحد التدابير الرئيسية لجبر الأضرار تعديل التشريع المتعارض مع العهد. وفي هذه السياق تحديدا ً ، أهدرت اللجنة من جديد فرصة سانحة لتحديد الجبر المنشود بدقة ومساعدة الدول من ثم على التحلي بالمزيد من الفعالية في الوفاء بالتزاماتها بموجب العهد والبروتوكول الاختياري.

[اعتُمد بالإسبانية (النص الأصلي) والإنكليزية والفرنسية. وسيصدر لاحقاً بالروسية والصينية والعربية أيضاً كجزء من التقرير السنوي المقدم من اللجنة إلى الجمعية العامة.]